
ليست كل الغفلة براءة، ولا كل الصمت سلامًا. فهناك لحظات في التاريخ، كما في حياتنا، يصبح فيها غياب الوعي شريكًا أصيلًا في الفساد والانهيار.
في رواية السائرون نياما، لم يكن الكاتب سعد مكاوي يروي مجرد حكاية عابرة، بل كان يكشف عن حالة إنسانية واجتماعية عميقة، حيث صوّر فساد الحكم في عهد المماليك في مصر، وكيف تحوّل المجتمع إلى كيان مترهل، يسير أفراده بلا وعي، وكأنهم فقدوا القدرة على المقاومة أو حتى الإدراك.
اعرف أكثر
“كسرتنى يابنى بموتك”: لحظات موسيقار الأجيال الهيستيرية مع جثمان العندليب في غرفة نومه
هذا المعنى يتجاوز حدود الرواية والتاريخ، ليجد صداه في واقعنا اليومي، خصوصا داخل العلاقات بين البشر. فكما يمكن أن ينهار وطن حين يغيب وعي أبنائه، يمكن أن تنهار العلاقات أيضًا حين يتحول أطرافها إلى “سائرين نيامًا”.
في كثير من العلاقات، لا يكون الاستمرار دليل قوة، بل دليل غفلة. زوجان يعيشان معًا، لكن بينهما مسافات من الصمت، ومشاعر مؤجلة، وأحاديث لم تُقال. يستمر كل منهما في دوره، لا لأنه سعيد، بل لأنه اعتاد، أو لأنه يخشى المواجهة. هنا، لا يعيش الطرفان العلاقة، بل يمران بها مرورًا باهتًا، كأنهما يؤديان مشهدًا محفوظًا.

وفي الصداقة أيضًا، نجد صورًا أكثر خفاءً لهذا “النوم أثناء السير”. صديقان جمعتهما سنوات من القرب، لكن أحدهما لم يعد يرى الآخر، لا يهتم، لا يسأل، وربما يستغل دون أن يشعر. والطرف الآخر، بدوره، يستمر في العطاء، ويتجاهل التغير، ويبرر الغياب، وكأنه يخشى أن يعترف بأن هذه الصداقة لم تعد كما كانت. أليست هذه أيضًا صورة من صور “السائرين نيامًا”؟ علاقة تستمر، لكن روحها غادرتها منذ زمن.
كما يظهر هذا المفهوم في تجاهل الأخطاء داخل العلاقات، حين يختار الإنسان الصمت بدل المواجهة، والتبرير بدل الحقيقة. يرى الخلل، يشعر بالألم، لكنه يواصل السير، وكأن الاستيقاظ أكثر قسوة من الاستمرار في الوهم.
اعرف أكثر
محمد جلال عبد القوى يسطر: ياأخى النفطى..من أطعمكم بعد جوع ومن أمنكم من خوف ومن ستر عوارتكم سوى مصر
ولا يقل خطرًا عن ذلك، أن يفقد الإنسان نفسه داخل العلاقة. حين يتنازل عن صوته، ويؤجل احتياجاته، ويعيش فقط لإرضاء الآخر، يصبح كمن تخلى عن وعيه طوعا. هنا، لا يكون “السير نيامًا” مجرد استعارة، بل واقعًا مؤلمًا لإنسان فقد ذاته دون أن ينتبه.
ولا يتوقف أثر “السير نيامًا” عند حدود العلاقات بين الكبار فقط، بل يمتد في صمتٍ خطير إلى علاقة الآباء بأبنائهم. فكم من أب أو أم يظن أنه يؤدي دوره كاملا، بينما هو في الحقيقة غائب الوعي عن احتياجات أطفاله النفسية؟ يوفرون الطعام والتعليم، لكن يغيب الحوار، ويختفي الاحتواء، وتؤجل لحظات القرب الحقيقي.

ينشغل الأب أو الأم بضغوط الحياة، فيمرّ الوقت سريعًا، ويكبر الأبناء، بينما العلاقة بينهم مجرد واجب يومي لا روح فيه. لا يسألون: ماذا يشعر أبناؤنا؟ ماذا يخيفهم؟ ماذا يحتاجون منا؟
وهنا، يصبح الآباء أنفسهم “سائرين نيامًا” في واحدة من أخطر العلاقات الإنسانية، لأن نتائج هذا الغياب لا تظهر فورًا، بل تتراكم داخل نفس الطفل، حتى يجد نفسه يومًا بعيدًا، غريبًا، أو فاقدًا للثقة والدفء.
إن التربية لا تُقاس بما نقدمه ماديًا فقط، بل بمدى حضورنا الواعي في حياة أبنائنا. فالطفل لا يحتاج أبًا وأمًا “موجودين” فقط، بل يحتاج قلوبًا منتبهة، وعقولًا يقظة، تدرك أن كل لحظة غفلة قد تترك أثرًا لا يُمحى.
طالعوا مقالات الكاتبة
دعاء فؤاد تسطر: نرجس بنت إبليس..الأمومة المسروقة
دعاء فؤاد تسطر: الأمهات المعيلات في مواجهة دراما الأب..حين تتجاهل الشاشة نصف الحقيقة
دعاء فؤاد تسطر: جريمة كرموز..قراءة في عقل دمره اليأس
إن أعظم ما يطرحه هذا العنوان، هو ذلك السؤال القاسي: كم من علاقاتنا نعيشها بوعي حقيقي؟ وكم منها نكملها لأننا لا نملك شجاعة التوقف؟
في النهاية، لا يكمن الخطر الحقيقي في أن نفشل في علاقاتنا، بل في أن نعيشها دون وعي، دون صدق، دون أن نشعر بها. فكما أن غفلة الشعوب كانت مدخلًا للفساد، فإن غفلتنا داخل علاقاتنا قد تكون المدخل لفقدان أنفسنا.
الاستيقاظ قد يكون مؤلمًا… لكنه وحده ما يمنحنا فرصة لحياة حقيقية، وعلاقات تستحق أن نعيشها، لا أن نمر بها نيامًا.
