
استمرار النظام الإيرانيّ في رفع مستوى استعداداته لحرب محتملة مع واشنطن، يؤكّد جاهزيته لأخذ المنطقة إلى حالة غير مسبوقة من عدم الاستقرار. إلّا أنّه يسعى في الوقت نفسه إلى توجيه رسائل للإدارة الأميركيّة بأنّه على استعداد للتعاون من أجل الوصول إلى حلول وتسوية تنهي حالة التصعيد.
ولا سيما من خلال تأكيد وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي للجهود التي تبذلها طهران للانتهاء من تدوين مسوّدة الاقتراحات التي ستقدّمها لواشنطن وتكون أساساً للجولة الجديدة من المفاوضات.
بات ما يقارب ثلث القدرات العسكريّة الأميركيّة منتشراً في القواعد الأميركيّة الموزّعة في منطقة غرب آسيا، من دول آسيا الوسطى والقوقاز، وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسّط، بما فيها عناصر قوّات العمليّات الخاصّة “دلتا”، وما تعنيه من إمكانيّة القيام بعمليّات برّية داخل الأراضي الإيرانيّة.
في ردّ على هذه التحشّدات الأميركيّة، تقوم القوّات المسلّحة الإيرانيّة، في الجيش الرسميّ وحرس الثورة الإسلاميّة، بمناورات متلاحقة برّية وبحريّة وصاروخيّة، بشكل مستقلّ، عبر تحريك واسع لقواعد إطلاق الصواريخ وحشدها في المناطق الأقرب إلى ساحات المواجهة المحتملة، وإجراء مناورات بحريّة بالاشتراك مع الحليفين الروسيّ والصينيّ في مياه الخليج وبحر العرب تعني إمكانيّة حصول تغيير جوهريّ في موقف هاتين الدولتين في حال الهجوم الأميركيّ ضمن المعادلات الدوليّة.

بلغت هذه الرسالة أعلى درجاتها في مناورة إقفال مضيق هرمز، التي قام بها حرس الثورة تحت عنوان “القدرة الفنّية للسيطرة على المضيق”، أمام جميع أنواع البواخر، بما فيها قطعات الأسطول الأميركيّ العسكريّة.
يعاني الداخل الإيرانيّ من انقسام واضح في التعامل مع الحشود الأميركيّة، فالبعض ينظر إليها باعتبارها إشارات جدّيّة على حرب مقبلة، سواء تجاوبت إيران مع الشروط الأميركيّة للتفاوض أو التسوية أو لا.
والبعض الآخر ينظر إليها باعتبارها استعراضاً للقوّة وأداة للضغط السياسيّ لإجبار إيران على التنازل لتجنّب حرب محتملة، تلجأ واشنطن إلى إشعالها.
اعرف أكثر
صومالى لاند تغرى واشنطن بقاعدة عسكرية ومعادن نادرة لتقلد إسرائيل
ينسحب هذا الانقسام أيضاً على القراءة الإيرانيّة للحراك الدبلوماسيّ والسياسيّ الذي تقوم به الدول الإقليميّة مثل المملكة السعوديّة وقطر وعُمان وتركيا للتوسّط بين الطرفين، وبذل الجهود من أجل منع اشتعال الحرب التي ستكون أكلافها كبيرة على منطقة الشرق الأوسط.
تذهب بعض التقديرات الإيرانيّة إلى اعتبار هذا الحراك الإقليميّ، وتحديداً العربيّ، نابعاً من خوف هذه الدول من الردّ الإيرانيّ الذي سيشمل القواعد الأميركيّة الموجودة على أراضيها.

يضع عدم وضوح الموقف الأميركيّ الحاسم طهرانَ في حالة من الضياع وعدم اليقين حيال إمكانيّة قبول ترامب بأيّ عرض
وضع اللّمسات الأخيرة على المسوّدة
أمام تراجع المساحة المتاحة للمناورة الدبلوماسيّة، مع اقتراب انتهاء الفرصة التي منحها ترامب للنظام الإيرانيّ لتقديم عروضه المعقولة للتسوية، ستكون طهران أمام تحدّي إقناع ترامب وإدارته بالنوايا الإيرانيّة الجديّة للحلّ والوصول إلى اتّفاق قابل للحياة والاستمرار، وأنّ الاتّفاق معها يحمل الكثير من المصالح لواشنطن لن تكون الحرب قادرة على توفيرها، وأنّ أيّ ثمن للسلام سيكون أقلّ من فاتورة الحرب.
تشكّل هذه القناعة الإيرانيّة، التي لم تكن مطروحة سابقاً لدى القيادة العليا، أوّل مؤشّرات التنازل، إذ إنّ الحديث عن استثمارات اقتصاديّة في قطاعَي النفط والغاز، وفتح الاقتصاد الإيرانيّ أمام الشركات الأميركيّة، وصولاً إلى تحديث أسطولها الجوّي المدنيّ، يكشف عن انقلاب جوهريّ في موقف القيادة العليا التي كانت ترفض أيّ شكل من الانفتاح الاقتصاديّ مع أميركا.
اعرف أكثر
ضربة استباقية سريعة: شكل الحرب التى يخطط لها ترامب ضد إيران
لكنّ طهران ترى أنّ قبول واشنطن بهذا الحجم من التنازلات الإيرانيّة هو المخرج اللائق لكلا الطرفين. إذ يمنح طهران القدرة على تسويقه باعتباره انتصاراً لها، ويسمح لواشنطن وللرئيس ترامب بتسويقه على أنّه إنجاز غير مسبوق استطاع فرضه على إيران من خلال معادلة التفاوض والسلام بالقوّة.
في المحصّلة لن يكون بالنسبة لطهران مشابهاً لما استطاعت تحقيقه في اتّفاق عام 2015 مع السداسيّة الدوليّة في عهد الرئيس باراك أوباما، لكنّه سيشكّل مخرجاً للجميع، ويجنّب المنطقة حريقاً شاملاً إذا ما حصل أيّ خطأ في حسابات أيّ من الطرفين وأشعل الشرارة الأولى له.
