سر ضعف الصناعات المحلية
تحصل مصر على معظم احتياجاتها من العملة الصعبة عبر صادرات الطاقة والسياحة ورسوم السفن التي تعبر قناة السويس، وتحويلات المغتربين في الخارج. تعاني الصناعات المحلية من ضعف الاستثمار، وتشكو الشركات الخاصة من المنافسة غير العادلة من جانب الكيانات المرتبطة بمؤسسات في الدولة والتى تحظى بنفوذ في البلاد. يعرقل هذا الاستثمار الأجنبي المباشر خارج صناعة النفط والغاز، مما يجعل الموارد المالية لمصر أكثر عُرضة للتدفقات المتقلبة من “الأموال الساخنة” التي تستثمرها الصناديق العالمية على مدى فترات أقصر.
وأدى الانخفاض الحاد في قيمة الجنيه المصري ، الذي بدأ في عام 2022، إلى تفاقم التضخم، مما أوجد وضعاً قابلاً للانفجار في بلد تعتمد فيه العديد من الأسر على دعم الدولة لشراء السلع الأساسية. أدى هروب رؤوس الأموال وندرة العملة الصعبة إلى وصول المعروض من الدولارات لمستويات منخفضة بشكل خطير في عام 2023. بدأ الجنيه يُتداول في السوق السوداء بضعف سعره الرسمي، مما أدى إلى زيادة التكاليف على الشركات والمستوردين.
كما أدت الهجمات على السفن في البحر الأحمر من قبل المسلحين الحوثيين في اليمن إلى انخفاض رسوم قناة السويس. بخلاف تراجع التحويلات مع توقف المصريين في الخارج عن إرسال أموالهم ترقباً لانخفاض آخر في قيمة العملة.

هل لهذا العلاج أثر طويل؟
الاتفاق مع الإمارات على تحويل “رأس الحكمة”، وهو شريط يمتد على ساحل البحر الأبيض المتوسط، إلى ملاذ سياحي، عزز الثقة بشكل فوري وأنقذ البلاد من حافة الهاوية. أتبعت السلطات ذلك برفع أسعار الفائدة بمقدار 6 نقاط مئوية، الأمر الذي ساعد في تغيير اتجاه هروب رؤوس الأموال من خلال منح المستثمرين الذين يقومون بتجارة الفائدة الفرصة لتحقيق عوائد سنوية تزيد على 20%.
هل تعويم أم زيادة فائدة مثل تركيا؟
في خطوة كانت متوقعة على نطاق واسع، قال البنك المركزي إنه سيسمح بتعويم العملة، مما أدى إلى انخفاض قيمة الجنيه بنسبة 40% تقريباً مقابل الدولار في يوم واحد.
كان صندوق النقد الدولي يدعو إلى نظام عملة مرن لعدة أشهر، وكافأ الصندوق المُقرض متعدد الأطراف الحكومة المصرية بمضاعفة حجم برنامج القروض الذي تمت الموافقة عليه لأول مرة في عام 2022 إلى 8 مليارات دولار تقريباً. وكان هذا حافزاً لتدفق إضافي بقيمة حوالي 14 مليار دولار من الدعم المالي من الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي.
لكن السؤال الذي يراود الجميع الآن ، هل يكتفي النقد الدولى بتحرير سعر الصرف الأخير ، أم يطالب مصر بجديد ، وينخفض الجنيه مرة أخرى ، رغم أن الأجواء جيدة بشكل ما حتى الآن ؟
ويزداد سيناريو التعويم أو على الأقل رفع الفائدة بعد الإجراء الصادم للجميع من البنك المركزى برفع الفائدة 500 نقطة دفعة واحدة ليصل من 8% ل 50% خلال شهور عديدة فقط؟!
فهل هذه التغييرات من منافس إقليمى قوى لكنه يعانى هو الآخر، تقلق الاقتصاد المصري وتدفعه إما لرفع الفائدة قريبا أو تعويم إضافي رغم المروج عن انتعاشة الجنيه لأول مرة منذ سنوات!

موقف المستثمرين الأجانب؟
كان هناك تدافع على شراء سندات مصر بالعملة المحلية. في الوقت الحالي، استهدف المستثمرون عمليات تداول تكتيكية، ويترقبون المزيد من الأدلة على أن البلاد قد تجاوزت مرحلة صعبة قبل أن يستثمروا أموالهم في استثمارات أكثر استراتيجية وأطول أجلاً. لهذا السبب، تدفقت معظم الأموال إلى فرص قصيرة الأجل مثل صفقات الشراء بالاقتراض بدلاً من السندات المصرية الدولارية. واقعياً، فقدت ديون البلاد بالعملة الأجنبية بعضاً من جاذبيتها مع الاندفاع نحو الديون بالعملة المحلية التي تقدم عوائد أعلى.
الوضع الاقتصادي المصري
تعاني مصر من أزمات اقتصادية دورية منذ انتفاضات الربيع العربي في عام 2011، وتواجه الحكومة تحديات لتغطية فواتير ضخمة لواردات القمح والدعم ورواتب القطاع العام.
الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي جاء إلى سُدة الحكم في عام 2013 بعد أن أطاحت انتفاضة شعبية بالرئيس المعزول محمد مرسي، حاول إنعاش الاقتصاد من خلال إطلاق مشاريع أشغال عامة ضخمة، بما في ذلك توسيع قناة السويس وبناء العاصمة الإدارية الجديدة في الصحراء.
كانت عوائد هذه الاستثمارات متفاوتة، وتم تمويل الكثير منها من خلال الاقتراض.
بحلول أواخر عام 2023، تم إنفاق ما يقرب من نصف إيرادات الدولة على فوائد الديون.
لم يكن ذلك التوجه ليدوم إلا بسبب أسعار الفائدة المرتفعة والعملة المدارة التي دعمت الطلب الأجنبي على الديون المحلية.

دفعت القفزة في أسعار الفائدة العالمية في أعقاب الجائحة والغزو الروسي لأوكرانيا المستثمرين إلى خروج نحو 20 مليار دولار من مصر، مما أدى إلى حدوث أزمة رأى الكثيرون أنها آخذة في التشكّل منذ فترة طويلة ، لكن الحكومة تحمل المسئولية فقط للأوضاع الدولية ، من كورونا لأوكرانيا لغزة والحوثيين أخيرا ، ولا تعترف بأية مسئولية عليه ، بالذات في مسألة التمويلات غير المحسوبة لمشروعات البنية التحتية مقارنة بالإنتاج ، ويكفي ملف المصانع المغلقة ، الذي ظل سنوات بدون حلول ، جتى كهنت بعض المصانع جديدة ، وبيع عدد منها “خردة”!
تعهدات الحكومة !
قالت الحكومة إنها ستفي بتعهدها الذي قطعته على نفسها لصندوق النقد الدولي بخفض الإنفاق الحكومي، وتعزيز المنافسة من خلال منح القطاع الخاص دور أكبر في الاقتصاد. قدمت الحكومة وعوداً مماثلة في الماضي، إلا أن تلك الجهود تبددت إلى حد كبير.
أحد المخاوف التي تنتاب المستثمرين يتمثل في أن السلطات ستعكس مسارها بشأن التخفيض الأخير لقيمة العملة في أقرب فرصة، كما فعلت في عام 2016 ومرة أخرى في عام 2022 -من أجل الحد من الزيادات المتسارعة في الأسعار التي تهدد الاستقرار الاجتماعي، وتجبر الحكومة على دعم السلع.

هل نفّذت مصر تعويماً حراً لعملتها؟
هناك الكثير من الشكوك حول ذلك، بما في ذلك ما أثاره زياد داود، الخبير الاقتصادي للأسواق الناشئة في “بلومبرغ”، الذي يقول إن حركة العملة “سلسة للغاية” بالنسبة لتعويم حر حقيقي. وشدّد البنك المركزي على التزامه بمواصلة التحول إلى استهداف التضخم المتمدد.
مكانة مصر الإقليمية؟
دور مصر كوسيط قوة إقليمي، والذي تطور في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في ستينيات القرن الماضي، قد أخذ يتلاشى تدريجياً مع استخدام دول الخليج ثروتها النفطية لتوسيع نفوذها على امتداد الشرق الأوسط وأفريقيا.
لكن في الآونة الأخيرة، أكدت الحرب بين إسرائيل و”حماس” مجدداً الدور المحوري الذي تلعبه مصر في سياسة المنطقة. فهي أول دولة عربية تعقد السلام مع إسرائيل، وتسيطر على النقاط الحدودية الوحيدة غير الإسرائيلية المؤدية إلى غزة المحاصرة، وسيكون لها رأي في نتيجة الصراع.
الفكرة القائلة إن مصر أهم من أن يُسمح بانهيارها، ساعدتها في تأمين عمليات الإنقاذ السابقة. أحدث الدفعات النقدية جاءت مصحوبة بالمزيد من الشروط، فحزمة التمويل التي يقدمها الاتحاد الأوروبي بقيمة 7.4 مليار يورو ترتبط جزئياً بمساعدة مصر في الحد من الهجرة غير الشرعية إلى الاتحاد.
وأكثر من أي وقت مضى، تريد دول الخليج عائداً مجزياً لمشاريع مثل “رأس الحكمة”، لذا فهي مهتمة بالإدارة الجيدة للاقتصادات التي تتم فيها هذه الاستثمارات.

هل تتحول الأجواء للأسوء وفق قلق الخبراء الدوليين؟
بالتالى ، المشهد العام جيد إلا قليلا بصورة ما ، لكن هذه الأجواء تبلدت بالغيوم بعد الزيادة غير المنضبطة لأسعار الوقود ليتحملها الغلابة والطبقة المتوسطة أكثر من الأغنياء ، مع اعتراف الدولة على لسان الرئيس السيسي بمواجهة من المحتكرين لمحاولات ضبط الأسعار ، ولكنه والحكومة لديهم طريقة للرد على القطاع الخاص ، في وقت يدعمه بشدة النقد الدولى ، ومن شروطه للقرض دعم القطاع الخاص ، بل هناك مخصصات من القرض وتمويلات أخرى لهذا البند فقط ، فكيف تتصرف الدولة المصرية حيال لك .
هذا بالإضافة للتساؤلات حول مسار برنامج الإصلاح الاقتصادي ، مع حديث الرئيس حول عودة دور الدولة ، وهل هذا ينصبط مع الاتفاقات الأخيرة مع النقد الدولى ؟!
أيام من الترقب المقلق جدا ، لأنها هى المصيرية بالفعل ، فهل تستطيع الدولة المصرية مواجهة تكرار سيناريو الانهيار غير المستبعد ، والذى كان في ٢٠١٦ ، خاصة أنه لو حدث ستكون الأوضاع في غاية الصعوبة ، ومن المعقد العودة وقتها والإفلات من سيناريو الإفلاس مرة أخرى؟!

فترة حاكمة ، والقيادة السياسية والاقتصادية تدرك ذلك ، والجبهة الشعبية متماسكة رغم قسوة التحديات ، والأعداء قبل الأصدقاء يتابعون ، ولذا يجب الانتباه في كل تحرك ، وعدم الاكتفاء بالتبرير ، فالأهم الفكر المختلف الواعى لخطورة ودقة المشهد ، والاستمرار في السيطرة على المشهد بإدارته باحترافية تتعلم من أخطاء التجربة السابقة .
على الدولة والحكومة الكثير في مسار يصفه المتابعون بالفرصة الأخيرة ، وكل محبى الدولة المصرية يتمنون آلا تضيع ، وآلا نعتمد كثيرا على فكرة أن القوى الدولية لن تترك مصر تنهار أو لا قدر الله تسقط ، لأن هناك من يريد ذلك ، لكنهم يختارون الوقت فقط .


