تحقيق: دنيز فخري
وزارة الخارجية اللبنانية أجرت قبل نحو أسبوعين تدقيقاً في أرشيفها المتعلق بطلبات البطاقات الدبلوماسية الواردة من السفارة الإيرانية على مدى الأعوام الثلاثة الماضية، ليتبين أن عدد الدبلوماسيين المسجلين في البعثة الإيرانية هو 50 شخصاً، وذلك بعد استبعاد من غادروا ومن سلموا بطاقاتهم.
لم يكن التدخل الإيراني في الشأن اللبناني يوماً سراً مكتوماً، غير أنه بات جليّاً للعيان حين أعلن “حزب الله” انخراطه في “حرب الإسناد” الثانية في الثاني من مارس (آذار) الجاري انتقاماً للمرشد الأعلى علي خامنئي.
وقد سقط بعدها عناصر من الحرس الثوري على التراب اللبناني في غارات إسرائيلية، وأصدرت قيادته بياناً من طهران يُقرّ بتنفيذ عملية مشتركة مع الحزب ضد إسرائيل، وسط شكوك حول تنسيق لبنانى إسرائيلى بوساطة أمريكية وفرنسية في هذا الشأن.
هذه الوقائع المتراكمة، وما رافقها من انتهاكات موثقة للأعراف الدبلوماسية، شكلت الأرضية التي أفضت إلى تصعيد غير مسبوق في العلاقات بين البلدين، بدءاً من مطالبة الحكومة اللبنانية في جلسة منتصف الشهر الجاري الحرس الثوري بمغادرة الأراضي اللبنانية وفرض تأشيرة على دخول الإيرانيين إلى لبنان.

مروراً باستدعاء وزارة الخارجية القائم بالأعمال الإيراني في الـ13 من مارس الجاري، وتم تبليغه حينها جملة من المخالفات الصريحة لاتفاقية فيينا، وطلبت منه الوزارة اللبنانية أن يجيب خطياً على تساؤلاتها خلال 24 ساعة، لكن القائم بالأعمال لم يفعل ذلك.
كل ما سبق عوامل أدت إلى سحب الاعتماد الدبلوماسي للسفير المعين محمد رضا شيباني وإعلانه شخصاً غير مرغوب فيه، إلا أنه قرر التمرد على قرار الدولة والبقاء داخل السفارة في لبنان، وهو ما أكدته الخارجية الإيرانية بنفسها التي أعلنت بقاء شيباني في لبنان.
اعرف أكثر
تحقيق صحفي إسرائيلى يكشف تورط الموساد والشاباك في عملية اختطاف ضد المخابرات الألمانية
وما زاد من حدة هذا الملف، اغتيال إسرائيل قيادات إيرانية كانت موجودة في فندق يقع بمنطقة الروشة في العاصمة بيروت فجر الثامن من مارس، وقالت تل أبيب إنها شخصيات من الحرس الثوري الإيراني، وبعدها بأسبوعين خرجت طهران لتعلن مقتل ستة دبلوماسيين إيرانيين في لبنان، لكنها نعتهم من خلال صورة أظهرتهم بالزي العسكري وبالرتب العسكرية التي يحملونها، في بيان صادر عن وزارة الخارجية الإيرانية.

تبين أن عدد الدبلوماسيين المسجلين في البعثة الإيرانية هو 50 شخصاً، وذلك بعد استبعاد من غادروا ومن سلموا بطاقاتهم.
ولتأكيد هذا الرقم ومطابقته مع الواقع الحالي بخاصة بعد المعلومات التي أكدت وجود حرس ثوري في لبنان من حاملي البطاقات الدبلوماسية، طلبت الوزارة أيضاً في منتصف الشهر الجاري من السفارة الإيرانية تحديث هذه اللائحة في غضون 24 ساعة، وإيضاح من بقي من هؤلاء الدبلوماسيين ومن غادر، لكن السفارة لم تمتثل أيضاً لطلب الوزارة حتى الساعة.
هذا الواقع وصمت السفارة الإيرانية أثارا شكوك وزارة الخارجية اللبنانية، وعززا التساؤل عما إذا كان عدد الدبلوماسيين الإيرانيين في لبنان حالياً أكثر من 50 أم أقل.. وتستحضر هذه المعطيات حادثة لافتة سبقت اندلاع الحرب الأخيرة.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال زيارته الأخيرة إلى بيروت في الثامن من يناير (كانون الثاني) الماضي، حمل معه في حقيبة دبلوماسية عدداً كبيراً من بطاقات تسهيل المرور الدبلوماسية التي تعرف بالعالم الدبلوماسي ببطاقة “laissez passer”، في مشهد يختصر وحده طبيعة الدور الذي تؤديه البعثة الإيرانية بعيداً من المهام الدبلوماسية المعتادة.
وبطاقة تسهيل المرور تمكن حاملها غالباً من المرور عبر الحواجز العسكرية من دون تفتيش، وفي بعض الأحيان تتضمن امتيازات كحمل السلاح، لكنها ليست دبلوماسية بالمعنى الدولي بل أمنية.
اعرف أكثر
اللواء د.سمير فرج يسطر: هل يستمع ترامب لنداء السيسي؟
من الناحية العملية يتفاوت حجم البعثات تفاوتاً واسعاً بحسب طبيعة العلاقات الثنائية وحجم المصالح المشتركة، فالبعثة في دولة صغيرة أو ذات علاقات محدودة قد لا تتجاوز بضعة دبلوماسيين (من 5 إلى 15 شخصاً).

فيما تضم البعثات الكبرى في العواصم الرئيسة أحياناً ما بين 25 و50 عنصراً من الطواقم الدبلوماسية والإدارية والتقنية مجتمعة ويمكن أن يصل إلى 100.
أما الحجم المنطقي لأي بعثة دبلوماسية في لبنان فيجب أن يأخذ في الاعتبار مساحة هذا البلد الصغير وعدد سكانه، إضافة إلى نوعية العلاقات التي تجمع البلدين.
اعرف أكثر
خط سوميد يعمل بطاقته القصوى لنقل بترول الخليج كبديل آمن لهرمز
ولناحية العلاقة بين لبنان وإيران، فإنه وفق متابعين لا توجد علاقات تجارية أو اقتصادية واسعة تستدعي جهازاً ضخماً لخدمة المواطنين أو إبرام الصفقات.
ووفق المعايير الدبلوماسية المعتادة لدولة بهذا الحجم يُقدر المختصون أن الحجم المعقول للبعثة يمكن أن يتراوح ما بين 15 و25 دبلوماسياً من مختلف الرتب، يضاف إليهم طاقم إداري وأمني.

دبلوماسيون بلباس عسكري
حين استهدفت إسرائيل عدداً من الإيرانيين في بيروت، في الحرب الحالية تحديداً، كشفت وزارة الخارجية الإيرانية لاحقاً أن بعضهم كانوا ينتمون إلى الحرس الثوري على رغم حملهم صفات دبلوماسية رسمية
اعرف أكثر
توقعات إسرائيلية بقرب وقف إطلاق النار..وأصوات تدعو لاستمرار الحرب
وعلى وقع ذلك التصعيد غادر لبنان أكثر من 100 إيراني على متن طائرة روسية، من بينهم دبلوماسيون وموظفون في السفارة وذووهم، فيما كانت إسرائيل أمهلت ممثلي إيران 24 ساعة قبل استهدافهم بشكل مباشر.
وبحسب متخصصين في الشؤون الإيرانية، فإن حجم البعثة الإيرانية في لبنان مرتبط بالوظيفة المزدوجة التي اضطلعت بها البعثات الدبلوماسية الإيرانية في الخارج تاريخياً، إذ لم تقتصر على الدور القنصلي والسياسي المعتاد، بل عملت في الوقت ذاته مراكز لجمع المعلومات الاستخباراتية، ترصد المعارضين وتراقب الجاليات وتسهل نقل الأموال والمعدات تحت مظلة الحصانة الدبلوماسية.

علماً أن توظيف العملاء الاستخباراتيين خلف الغطاء الدبلوماسي ليس حكراً على إيران، إذ تمارسه دول عدة حول العالم، غير أن الملف الإيراني تحديداً يزخر بقضايا موثّقة تُجسّد هذا النهج بوضوح.
اعرف أكثر
الأراضي المحتلة تشتعل ضد قانون إعدام الأسري والعين على المحكمة العليا الإسرائيلية
ففي عام 2018 ثبت أن الأمين الثالث للسفارة الإيرانية في النمسا أسدالله أسدي كان يشغل في الحقيقة منصب المسؤول الاستخباراتي الإيراني الأول على مستوى القارة الأوروبية بأسرها، وفي تركيا تورط سفير إيران في إسطنبول منوشهر متكي في محاولة اختطاف معارض إيراني أُحبطت قبل تنفيذها.
أما في لبنان تحديداً فيذهب محللون إلى أبعد من ذلك، إذ يرون أن مجمع السفارة الإيرانية في بيروت لا يعدو كونه غطاءً لقاعدة قيادة وسيطرة تابعة للحرس الثوري، تُدار منها عمليات محلية وإقليمية.

وفي هذا السياق تحدثت تقارير صحفية عن انتماء السفير المعيّن محمد رضا شيباني إلى الحرس الثوري، من دون تأكيدات رسمية أو نفي، مما يعني أن السفير الذي أصبح شخصاً غير مرغوب فيه من قبل الدولة اللبنانية، لم يكن وفق هذه التقارير يمثل الواجهة السياسية لدولته وحسب، بل كان يجسد امتداداً مباشراً للحرس الثوري على الأراضي اللبنانية.
