لنقل الحقيقة بصراحة وبالفم المليان:
الأقباط يعشقون مصر.
هم من سكانها الأصليون، وجزء أصيل لا يتجزأ من نسيجها الوطني. لم يكن انتماؤهم يومًا محل مزايدة أو اختبار، بل حقيقة راسخة أكّدتها التضحيات، والمشاركة العميقة في الحركة الوطنية، وكلمات مكرم عبيد التي عبّرت عن وجدان المصريين جميعًا:
«مصر ليست وطنًا نعيش فيه، بل وطن يعيش فينا».
هذا المعنى لم يكن شعارًا بل ممارسة تاريخية، كرّستها مواقف قادة الكنيسة المصرية، من قداسة البابا شنودة الثالث إلى قداسة البابا تواضروس، حين أكدوا بوضوح لا لبس فيه أن الكنيسة والوطن وحدة واحدة لا تنفصل.
من هنا، فإن ما يُبث في بعض المنصات الإعلامية من تصريحات تستهدف الإساءة، أو بث الشكوك، أو التشكيك في وطنية الأقباط، لا يمكن التعامل معه كزلات لسان أو اجتهادات عابرة.
نحن أمام خطاب سياسي خطير يستوجب التوقف والمساءلة.
والسؤال هنا ليس أخلاقيًا فقط، بل سياسيا بامتياز:
لماذا تظهر هذه التصريحات الآن تحديدًا؟
ما الهدف الحقيقي منها؟
هل نحن أمام إلهاء سياسي متعمد، أم محاولة للتشويش على وحدة وطنية صمدت أمام اختبارات أشد قسوة؟
الأخطر من التصريحات نفسها، هو الصمت عنها.
فالوحدة الوطنية ليست شعارًا للاستهلاك الإعلامي، بل مسؤولية سياسية وأمنية وأخلاقية. ومن يعبث بها، بالكذب أو التحريض أو التلاعب بالمشاعر، لا يعبّر عن رأي، بل يفتح بابًا للفوضى، ويجب أن يُساءل دون تردد.
التاريخ القريب يقدّم لنا درسًا لا يحتمل الإنكار:
المجتمعات لا تنفجر فجأة، بل تُستنزف أولًا.
تُستنزف عبر تراكم الإحباط، وتآكل الثقة، وفتح مساحات محسوبة لخطابات الاستفزاز، ثم تركها تتضخم بلا محاسبة، حتى تتحول الفتنة إلى أداة لإدارة المشهد أو للهروب من أزمات أعمق.
من هنا، فإن ترك التصريحات التحريضية دون محاسبة اليوم، هو إعادة إنتاج لمنطق قديم وخطير:
منطق إدارة الأزمات عبر صناعتها أو توظيفها، لا عبر نزع فتيلها.
وهو منطق أثبت فشله تاريخيًا، لأنه يخلق نارًا لا يمكن التحكم في اتجاه رياحها.
الوحدة الوطنية ليست ملفًا يُدار وقت اللزوم، بل ركيزة من ركائز الأمن القومي.
وأي تساهل مع خطاب يمسّها، هو مقامرة بأمن المجتمع في لحظة إقليمية وداخلية شديدة التعقيد.
هذا الكلام ليس تهويلًا، ولا نبوءة سوداء، بل قراءة سياسية لتجربة دفعنا ثمنها من قبل.
ما يُترك اليوم بلا حساب، قد يعود غدًا كأزمة أكبر وبثمن أفدح.
الدولة القوية لا تختبر صلابتها بإشعال الحرائق،
بل بقدرتها على منعها قبل أن تبدأ.
المقالات مساحة لأصحابها، وليس بالضرورة أن تتوافق معها السياسة التحريرية للموقع
