
شغل معالي الدبلوماسي محمد كامل عمرو، منصب وزير الخارجية المصري في فترة فارقة من تاريخ مصر، هي ما بين 18 يوليو 2011 و16 يوليو 2013. ولقد استضافه الإعلامي اللبناني طاهر بركة في برنامجه “الذاكرة السياسية” على قناة العربية الإخبارية، منذ حوالي 4 سنوات، ليتكلم بالأساس عن تلك التجربة. وفي إطار رده على كيفية تعامله مع محمد مرسي في شأن السياسة الخارجية المصرية، قال:
“هناك ثوابت للسياسة الخارجية المصرية، .. إحنا عارفنها كويس، .. أمن قومي مصري .. وأنا شخصياً كوزير خارجية .. طالما أنا وزير خارجية، لن أسمح بتغيير هذه الثوابت أو تأثرها بأي عوامل أُخرى، أرى أنها غير مناسبة. دي كانت مهمة، لأن أنت عارف أن دول لهم خلفية أيديولوجية مُعينة وقد يحاولوا أنهم يعكسوها على السياسة الخارجية”.
وفي هذا الإطار شرح السيد محمد كامل عمرو للأستاذ طاهر بركة، كيفية تعامله بحزم مع مرسي، وذلك من خلال رفضه إغلاق السفارة المصرية في دمشق أو مبنى السفارة السورية في القاهرة؛ وحول أزمة تغلغل العصابات المسلحة في دولة مالي وقتها ، وطلب مالي المساعدة المسلحة من فرنسا لمواجهة هذا الوضع، حيث كانت رؤى مندوب الإخوان في الرئاسة، أن يتم إصدار بيان مصري، يرفض طلب مالي المساعدة الخارجية.
وهو الأمر الذي رفضه محمد كامل عمرو كلياً، تماشياً مع سياسة مصر، التي تحترم القانون الدولي ونصوصه، وترفض التدخل في شئون أية دولة عضو في الأمم المتحدة، لها حق طلب المساعدة من أية دولة أُخرى.
وأكد الوزير على أنه رفض كلياً، أي مساس بمصلحة مصر من خلال سياستها الخارجية، وأنه أصر على موقفه، وإضطر مرسي للخنوع، أمام “مؤسسية السياسة الخارجية المصرية” ، والتي يعرفها أي دارس للعلاقات الدولية والعلوم السياسية أو أي صحفي أو مواطن مُتابع، وهي السياسة التي يستحيل تغييرها، لأنها انعكاس رئيسي لشخصية مصر التاريخية، واعتدال ووسطية شعبها.
ومن هنا، فإن “التطرف الإشتراكي الثوري” في ميادين النكسة والإرهاب الإخواني السلفي المُصاحب، قد أثرا على اعتدال ووسطية وأخلاق المصريين منذ 2011، وتلك الوسطية والاعتدال السوي، هو ما نطمح في الرجوع إليه، على مستوى “الشخصية الوطنية” وشخصيات الجموع في الوطن منذ وقتها، حتى تستعيد الدولة توازنها الكُلي كما كان.
ولقد مارس رجب طيب أردوغان، سواءً وقت أن كان رئيساً لوزراء تركيا، ما بين مارس 2003 وأغسطس 2014 أو منذ أن أصبح رئيساً لتركيا، في أغسطس 2014، ضغوطاً شتى على مصر، كي تُغير من نهجها المؤسسي الثابت لسياستها الخارجية، والتي لم تتغير منذ تأسست، دون جدوى فيما قام به.
وها هو قد جاء مصر في زيارة رسمية بدأت يوم الأربعاء الموافق 14 فبراير 2024، رغم أن مصر لم تُغير في مواقفها الثابتة، ولم تُقدم أية تنازلات فيما يتعلق بنهج سياستها الخارجية، الرافض للتطرف والإقصاء ولفكر الإخوان في مصر أو المنطقة، والذي كان يشجبه هو، وبذا يُظهر بزيارته تغيره ورجوعه إلى الحق، لصالح العلاقات التاريخية بين البلدين والشعبين، بعيداً عن خدمة بعض الجماعات التي أحالت المنطقة إلى الفوضى، بسياستها المُنحازة إلى التطرف والتقسيم.
ولقد ظهر من المؤتمر الصحفي بين الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس التركي، التأكيد على رفع درجة التعاون التجاري بين البلدين، وإتفاقهما في شتى الملفات السياسية الدولية والتعاون فيها، سواءً كان الحديث عن غزة أو ليبيا أو إفريقيا، وما يُصاحب ذلك من مواجهة لتحدي الإرهاب والتحديات الإقتصادية والإجتماعية وما يفرضه الواقع غير المستقر عموماً، في المنطقة.
ولقد سبق للرئيس مبارك – رحمة الله عليه، أن امتنع عن زيارة الولايات المتحدة الأمريكية، في أواخر سنوات حكم بوش الأبن، حينما كانت أمريكا تُملي علينا سياسات، لا تتوافق مع ثوابت السياسة المصرية، حتى أن أي مُراقب كان يندهش من شعارات “تجهيل ميادين نكسة يناير” للشعب المصري، حول خضوع مصر، لسياسات الولايات المتحدة في المنطقة في عصر الرئيس مبارك، وهو عاري كلياً عن الصحة، إلا لمن كان له غرض، و”الغرض مرض”.
فمصر، وكما أكد الوزير محمد كامل عمرو، لم تخضع لسياسات الإخوان، في سنة إحتلالهم للرئاسة في مصر؛ فكيف تُغير سياستها بينما وطنيين يتقلدون منصب الرئاسة فيها، في أي وقت آخر؟!
فأي مُتابع، يعرف جيداً الخطوط العامة للسياسة الخارجية المصرية، وما يمكن أن يُتخذ من سياسات وما لا يمكن أن يُتبع من سياسات. كلنا نعرف جيداً الخطوط الحمراء للسياسة الخارجية المصرية، ولا يُمكن بأي حال أن تتغير تلك السياسة بناءً على رؤية شخص أو جماعة، مهما بلغت من قوة أو مقام.
ولذا، فإننا دولة يُحسب حسابها ويعي الجميع أننا حينما نقول نفعل ولا نتراجع أبداً عما نقول، كما هو حال من يتراجعون عما قالوا أو طالبوا به، ليرضخوا في النهاية للحق .. والحق أحق أن يُتبع ..
ماهو “مصر مش وجهة نظر”!!
تحية للشعب المصري العظيم وشخصيته الأصيلة المُستقاة من شخصية بلاده،
وتحية للشعب الفلسطيني المناضل في غزة والضفة،
ولعنة الله على الصهاينة وأزلامهم من الإخوان وحماس وحزب الله وكل الجماعات المُتطرفة،
وتحيا جمهورية مصر العربية، التي تُغير، ولن تتغير سياستها العليا، رضوخاً لأياً كان،
