
تحتفي إسرائيل بالتغيير الجيوسياسي الجديد بالاستهداف المفاجئ للبعض للدوحة، لكنه يعد له منذ شهور بعد الوقيعة بين قطر وحماس، خلال الشهور الأخيرة، وكان الأمر ممهدا مع حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول العاصمة الثالثة مع استبعاد الدوحة والقاهرة من استضافة الوساطات بحجة الاتهام بعدم الحيدة.
وهذه العملية غير التقليدية، التى اعترفت بها إسرائيل فورا رغم التعتيم على عمليات الهجوم في سوريا، وأحيانا في اليمن، يؤكد رسميا إعلان الجبهة الثامنة لإسرائيل منذ انطلاق حروب 7 أكتوبر، في ضرب للاستقرار الإقليمى تحت رعاية أمريكية، حيث ينسق الرئيس ترامب في أغلب العمليات الإسرائيلية محتفيا بالإجادة الإسرائيلية والتعامل الإسرائيلي مع الموقف، مما يزيد الحديث حول تفاقامات جديدة.
والسؤال، الآن هل الوسيطة المثيرة لغضب الأمريكيين والإسرائيليين، القاهرة، بعيدة عن الاستهداف، طالما الوسيطة الهادئة المتواصلة معهم بشكل كبير جدا، الدوحة، ضربت مرتين بمعرفة الولايات المتحدة صاحبة أكبر قاعدة لها بالمنطقة في قطر.

الإسرائيليون يدركون قبل أى أحد مدى خطورة وقوة مصر، رغم التوترات المتصاعدة، وبالذات في بند تهجير الغزيين، رغم أكبر صفقة للغاز في تاريخ إسرائيل، مع مصر، والتى أثارت الجدل في كل الأبعاد.
والتون بالطبع وصل لنطاقات غير تقليدية، والدعم القوى من كل القوى الإسرائيلية معارضة وحكومة وحتى محايدون، لضربة الدوحة، ينذر بخطر كبير بأنه لا فائدة من هؤلاء المختلين الحاكمين والمعارضين في تل أبيب، ومن غير المستبعد القيام بعمل ما ضد تركيا أو مصر، في اتساع معقد لا ترفضه كل القوى الأمريكية بشكل كبير.
ومن ناحيته، قال المحلل الإسرائيلي المتخصص في الشئون العسكرية رون بن يشاى، إن عملية ” قمة النار “، مضت إسرائيل بها قدمًا في استراتيجية “قطع رؤوس” قيادة محور الشر بقيادة إيران. ويبدو أن الغارة الجوية على مقر حماس في الدوحة، عاصمة قطر، كانت تهدف إلى تحقيق هدفين: الأول: إبعاد خليل الحية، وربما زاهر جبارين، من فريق حماس التفاوضي، اللذين يمثلان موقفًا متشددًا لا يقبل المساومة تجاه مطالب حماس ومطالبها في المفاوضات، وهى تقريبا نفس حجج اغتيالات السنوارين.

ومن ضمن الترويجات الإسرائيلية مؤخرًا نشوب خلافات في الرأي بين الحية، القيادي في غزة والمخطط لمجزرة 7 أكتوبر، وقائد لواء مدينة غزة، عز الدين الحداد، الشخصية البارزة في القطاع الآن بعد مقتل السنوارين وفريقهما. وأبدى الحداد استعداده للتنازل عن عدة قضايا، وقيل إنه كان يميل إلى قبول الاقتراح الأمريكي الأخير، بينما عارض الحية وجبارين ذلك وقدموا مطالب صارمة.
ومن المحتمل أن ينشأ وضع تُجري فيه إسرائيل مفاوضات مباشرة مع الحداد، على غرار حصار بيروت عام 1982، عندما أُجريت مفاوضات (عبر وسطاء) مع ياسر عرفات نفسه، وقد وافق، بوساطة أمريكية، على الإخلاء.
السؤال المطروح: لماذا ترغب إسرائيل في إجراء مفاوضات مباشرة مع حداد؟ حسنًا، هو الآن مسؤول كبير في حماس في قطاع غزة، ويشعر بتزايد الضغط العسكري عليه، كما أنه مدرك لمعاناة السكان المجبرين على النزوح والمتأثرين بالهجمات. هذا على عكس قيادة حماس في الدوحة، التي تجلس على كراسيها في فنادقها المريحة، ولا تخضع لأي ضغوط، وفق الترويجات الإسرائيلية.

والهدف الثاني من الهجوم غير المألوف هو رغبة القيادة السياسية والأمنية الإسرائيلية في توضيح لحماس والوسطاء أننا لن نتخلى عن مطلبنا بالإفراج عن الرهائن، ولا عن إبعاد عناصر حماس العسكريين والمدنيين من غزة. الهدف هو إثبات أن إسرائيل ستلاحق أعضاء حماس في كل مكان، بما في ذلك حول العالم، مجازفةً بمواجهة مع أصدقائها كالولايات المتحدة، ومع دولة تربطها علاقات وثيقة وحميمة مع الأمريكيين، كقطر، وأيضا تركيا ومن الممكن الأردن لتحقيق هذا الهدف.
يمكن افتراض أن الهجوم كان مُنسّقًا مع البيت الأبيض (وإلا، لكانت القاعدة الأمريكية في قطر قد ردّت أيضًا)، وأنّ فريق ترامب نسّق الهجوم مع قطر. وللقطريين تاريخٌ في الموافقة على هجمات على أراضيهم، كان آخرها عملية “الأسد الصاعد”: فبعد أن هاجمت الطائرات الأمريكية منشأة فوردو النووية، وافقت قطر على أن يهاجم الإيرانيون أكبر قاعدة جوية في الشرق الأوسط على أراضيها، وحذرت الولايات المتحدة مُسبقًا . أُخليت القاعدة من الطائرات والأشخاص قبل الهجوم، فلم تُسجَّل أي إصابات، ولم تكن الأضرار جسيمة.

من المُرجّح جدًّا أن يكون سيناريو مُماثلًا قد تكرر هذه المرة. في غضون ذلك، ردّ القطريون ببيانٍ أدانوا فيه انتهاك القانون الدولي، وفتحوا تحقيقًا، ومن المُرجّح أن يُجمّدوا علاقاتهم مع إسرائيل، ويمنعوا مشاركتهم في المفاوضات، لكن من المنطقي أن يستأنفوا ذلك تدريجيًا لاحقًا.
وبحسب التقارير ، وقع الهجوم أثناء اجتماع قيادة حماس لمناقشة المقترح الأمريكي لصفقة أسرى وإنهاء الحرب، ولكن يُمكن الافتراض أن هذه كانت حربًا نفسية، وأن هذا العمل كان يستهدف بشكل مباشر أكثر الشخصيات تشددًا في قيادة حماس. ويُفترض أن الحركة ستؤجل المفاوضات لفترة، وأنه بالإضافة إلى الغضب القطري، قد يُعرب الأمريكيون علنًا عن استيائهم من هذا الإجراء، وربما ينكرون وجود أي تنسيق.
ومع ذلك، يُرجّح أن تُستأنف المفاوضات لاحقًا، وربما يقودها حينها أشخاص أقل تشددًا من قيادة حماس، سواءً حداد نفسه من غزة، أو أشخاص من الصفين الثاني والثالث المقيمين بشكل دائم في تركيا.
