
تحليل/ د.عبدالمهدى مطاوع
لعل من أكثر أسئلة الصراع الإقليمي شيوعا بين الباحثين والمختصين، هو لماذا لم تتدخل «جماعة أنصار الله» الحوثية لمساندة إيران على الرغم من أنها الجبهة الأخيرة التي استمرت في مساندة حماس، بعد السابع من أكتوبر 2023م، حتى تم الاتفاق على إنهاء الحرب بين حماس وإسرائيل.
وفي هذا الصدد، هناك رؤية إسرائيلية بلورها باحثون متخصصون بمعهد أبحاث الامن القومي الإسرائيلي ومعهد القدس للأمن والاستراتيجية، في ورقتين منفصلتين، سوف نحاول قراءتهما قراءة نقدية؛ تجعلنا نقف على حدود فهم العقل الاستراتيجي الإسرائيلي، وكيف يبني قراراته.
ورقتان إسرائيليتان عن الموقف الحوثي من الحرب
وتعطي قراءة الورقتين معاً صورة متكاملة، مفادها أن الحوثيين لا يريدون؛ القتال بسبب الردع، ولا يستطيعون القتال بسبب الأزمة الاقتصادية. ويجعل هذا التكامل الاستنتاج حول «استمرار الهدوء النسبي» في الجبهة اليمنية أكثر قوة.
الورقة الأولى بعنوان: لماذا يسود الهدوء في الجبهة اليمنية؟
والتي كتبها «آري هايشتاين» بمعهد دراسات الأمن القومي (INSS) الإسرائيلي، بتاريخ 8 مارس 2026م، والذي حاول الإجابة عن سؤال استراتيجي مفاده: لماذا يمتنع الحوثيون عن التدخل في هذه الحرب الدائرة؛ دعمًا لإيران حليفتهم الاستراتيجية، على الرغم من كونهم جزءًا أصيلا من «محور المقاومة الإسلامية؟
وتعد هذه الورقة هي قراءة استخباراتية ذكية تنتقل بالتحليل من الشعارات إلى المصالح. وتكمن قيمتها في قدرتها على تفسير «الهدوء» الحالي بطريقة منطقية.

المصلحة الحوثية والتحولات السريعة
ومع ذلك، يجب التعامل معها كتحليل للحظة الراهنة وليس كحقيقة ثابتة. فالتحولات في هذه المنطقة سريعة، و«المصلحة الحوثية» مفهوم مرن. التحدي الحقيقي الذي تشير إليه الورقة ضمناً، دون أن تحسمه، هو: هل سنصل إلى نقطة يشعر فيها الحوثيون أن بقاءهم لم يعد ممكنًا بدون إيران، أو أن إيران لم تعد قادرة على دفع ثمن ولائهم؟
وقد خلُص «آري هايشتاين» من خلال ورقته؛ إلى أن هذا الامتناع عن التدخل المباشر هو نتيجة لحسابات استراتيجية معقدة، وليس مجرد صدفة. ومحددًا أسبابه في:
الايدلوجية المحلية والانتماء الإقليمي
أولاً: الأيديولوجية المحلية تسبق الانتماء الإقليمي: أن الحوثيين، على عكس حزب الله، ليسوا امتدادًا أيديولوجيًا، أو تنظيميًا خالصًا لإيران. نشأت عام 2004م، بدوافع محلية؛ بهدف قلب النظام الاجتماعي باليمن واستعادة المكانة للسلالة الهاشمية، التي أُزيحت عن السلطة في ثورة 1962م.
صحيح أن إيران ألهمتهم فكريًا، وأهلتهم بالتدريب، وزودتهم بالسلاح وتقنياته، إلا أن علاقتهم بها هي علاقة «شريك عسكري وأيديولوجي» داعم للمقاومة اليمنية في المقام الأول، وليست علاقة «تابع مكلف بأوامر» أو حليف في تحالف دفاع مشترك يُلزمهم بالمخاطرة بوجودهم.
الأزمة الاقتصادية والمغامرة الحربية
ثانياً: الأزمة الاقتصادية الداخلية تمنع المغامرة الحربية: فالاقتصاد في مناطق سيطرة أنصار الله يمر بأزمة حادة؛ بسبب «عاصفة كاملة» من الضغوط، شملت تدمير الموانئ خلال الضربات السابقة، وتراجع المساعدات الدولية، وعقوبات أمريكية صارمة، ونقل مؤسسات مالية رئيسية إلى مناطق الحكومة الشرعية للبلاد.

كلها عوامل أدت إلى خلق أزمة إيرادات وجودية لهم يصعب عليهم حلها عبر النهب أو القمع. إضافة إلى أن جماعة أنصار الله يدركون أن الدخول في حرب واسعة الآن سوف يعرض موانئهم، التي بدأوا للتو في إعادة تأهيلها، لضربات جديدة قد تقضي أي أمل في التعافي الاقتصادي وقد يؤدي إلى انهيار شعبي أو انشقاقات بين صفوفهم.
صعوبات الضربات الموجعة
ثالثاً: الصعوبات العملية والخوف من الضربات الموجعة: فقد نجحت الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي وجهت إلى جماعة أنصار الله، في 2025م، في اغتيال قادة عسكريين كبار فيها؛ على نحو شكل رادعًا عمليًا لها. خاصة أنها لا تزال تعتمد على تحالفات قبلية وشخصية. وبالتالي فإن معاودة استهداف قادتها مرة أخرى، قد يحدث فوضى داخلية يصعب إدارتها في ظل الأزمة المالية.
صحيح أن لدى أنصار الله تاريخ في «التوقفات استراتيجية» عندما يكونوا في موقع ضعف، لإعادة الترتيب والتسليح، ولكنهم الآن في مرحلة «تراجع» وليس «تقدم» وبالتالي هم مختلفون جوهريًا عن حزب الله.
وجود جوهرى
فبينما تعتبر إيران وجودًا جوهريا بالنسبة لحزب الله، تدرك جماعة أنصار الله أن تدخلها الآن لمساندة إيران قد يكون انتحاريًا لمشروعهم ككل. لذلك، فهم يكتفون حاليًا بتصريحات تضامنية مبهمة، مثل «الإصبع على الزناد» من قبيل الردع أكثر من كونها نية حقيقية للدخول في الحرب.
وبعد أن ساق «آري هايشتاين» الأسباب الثلاثة السابقة؛ لامتناع جماعة أنصار الله الحوثية باليمن عن الدخول في الحرب لمساندة إيران، قدم سيناريو لتغيير محتمل في حساباتها. وقال إن أنصار الله قد هذه الحسابات في حالتين:

حزمة إنقاذ
إذا عرض الحرس الثوري في لحظة يأس «حزمة إنقاذ» اقتصادية ضخمة كحافز للتدخل.
إذا تدخلت دول الخليج العربية بشكل مباشر في الحرب على إيران. عنده، قد يوجه الحوثيون ضربات محدودة ضد أهداف خليجية، وليس أمريكية أو إسرائيلية؛ لمحاولة جرهم لرد فعل محدود، مع تجنب التصعيد الكبير.
التعليق:
تقدم هذه الورقة إسهامًا قيمًا في فهم تعقيدات «محور المقاومة» من خلال التركيز على وضع أنصار الله كطرف غير تقليدي في هذا المحور، من حيث:
تفنيد فكرة “الوحدة الآلية:
يكسر التحليل الافتراض السائد بأن جميع أطراف “المحور” سيتحركون كجسم واحد دفاعًا عن إيران. التمييز الواضح بين علاقة حزب الله الوجودية بإيران وعلاقة الحوثيين (القائمة على المصالح) هو تحليل دقيق وضروري لفهم المشهد.
مركزية المحلي على العابر للحدود:
يسلط الكاتب الضوء بشكل صحيح على أن المفتاح الحقيقي لفهم الحوثيين هو صراعهم الداخلي في اليمن (الهوية الهاشمية، ثورة 1962) وليس فقط الأيديولوجية الإيرانية. هذا المنظور الجيوسياسي المحلي هو الأكثر دقة لتفسير قراراتهم الكبرى.

الربط بين الاقتصاد والسياسة:
من خلال الربط بين الأزمة الاقتصادية بمناطق سيطرة الحوثيين وقدرتهم على المغامرة العسكرية. هي تدرك أنهم، كأي كيان سياسي عسكري، لديهم نقطة انكسار اقتصادية وأنهم حاليًا قريبون منها.
الواقعية في تقييم الردع:
الاعتراف بأن الضربات الناجحة ضد قيادات الحوثيين وإيران قد أحدثت تأثيرًا رادعًا حقيقيًا هو تحليل منطقي يبتعد عن التهويل الإعلامي المعتاد حول “الصمود الأسطوري”.
والتقليل المحتمل من المرونة الحوثية:
بينما تركز الورقة على الأزمة الاقتصادية، قد تقلل من قدرة الحوثيين على حشد المجتمع وتعبئته أيديولوجيًا في أوقات الحرب. المجتمعات القبلية قد تتحمل صعوبات اقتصادية كبيرة إذا تم تأطير المعركة كدفاع عن الوجود والمقدسات. هل الأزمة الحالية كفيلة بمنعهم من القتال أم أنها ستجعلهم يقاتلون بشراسة أكبر إذا شعروا أن الخطر وجودي؟
تجاهل عامل الصواريخ الاستراتيجية:
يناقش التحليل قدرة الحوثيين على ضرب إسرائيل أو السفن، لكنه قد لا يعطي وزناً كافياً لحقيقة أن الحوثيين يمتلكون ترسانة صاروخية بعيدة المدى. حتى لو كانت ضربة واحدة رمزية، فإن تأثيرها النفسي والإعلامي قد يكون مغريًا للحوثيين لتعزيز مكانتهم كـ “سند لإيران” دون الدخول في حرب شاملة، خاصة إذا كان الهدف هو ابتزاز المجتمع الدولي لتخفيف الضغط الاقتصادي.
اعتبار الانفصال عن إيران مطلقًا:
الورقة ترسم خطًا واضحًا بين الحوثيين وإيران. لكن الواقع قد يكون أكثر ضبابية. التغلغل الإيراني في مؤسسات الحوثيين على مدى عقدين من الزمن قد يكون أعمق مما تتصور الورقة. قد يكون هناك ضباط إيرانيون أو خبراء من حزب الله داخل هيكل القيادة الحوثية يؤثرون على القرارات بشكل لا يظهر في التحليل المبني على “المصلحة الذاتية” فقط.

السيناريو البديل (إيران المنهارة):
تتحدث الورقة عن سيناريو تقدم فيه إيران حوافز للحوثيين. لكن ماذا عن سيناريو عكسي؟ إذا شعر الحوثيون أن إيران على وشك السقوط فعلاً، فقد يكون قرارهم هو “التبرؤ” منها أو السعي لصفقة منفردة مع الغرب، وليس الاندفاع لإنقاذها. هذا الاحتمال (الانقلاب على الحليف) لم يُناقش.
الورقة الثانية بعنوان: هل سينضم الحوثيون في اليمن إلى الحرب؟
التي كتبها «يوني بن مناحيم» ونشرها معهد القدس للأمن والشؤون الخارجية (JCFA) بتاريخ 11 مارس 2026م، وتعد إضافة مكملة لتحليل INSS.
وتتفق معها في النتيجة، لكنها تصل إليها بطريقة مختلفة. وتكمن قيمتها في تأكيدها على عامل الردع العسكري الإسرائيلي وأهمية القيادة في صنع القرار. لكنها تبقى أقل شمولية من تحليل INSS الذي ربط بشكل أفضل بين القدرة الاقتصادية والإرادة السياسية.
وتركز هذه الورقة على الإجابة عن سؤال محوري حول الموقف العسكري للحوثيين في اليمن، إزاء الحرب الدائرة بين إيران والتحالف الأمريكي الإسرائيلي. في النقاط التالية:
أولا: التردد الاستراتيجي:
فذكرت الورقة أن التقييمات الاستخباراتية الأمريكية والإسرائيلية أشارت إلى أن الحوثيين يلتزمون حاليًا بدعم إيران بشكل غير مباشر، لوجستي واستخباراتي وأنشطة محدودة في البحر الأحمر، ولم يعلنوا بعد عن انضمامهم المباشر للحرب.

على الرغم من تصريح «عبد الملك الحوثي» في 4 مارس بأن «اليد على الزناد» وأنهم سوف يتحركون «عندما تتطلب الظروف» أما عن أسباب هذا التردد، فقد حددت الورقة معضلة رئيسية تواجه قيادة الحوثي، حصرتها هذه الورقة في سببين:
الالتزام الأيديولوجي:
إّذ يقدم الحوثيون أنفسهم كجزء من محور المقاومة الإسلامية بقيادة إيران، ويشعرون بالتزام أيديولوجي وسياسي بدعمها.
والخوف من الثمن الباهظ:
يدرك الحوثيون أن التدخل العسكري المباشر سيعرضهم لضربات أمريكية وإسرائيلية عنيفة ضد البنية التحتية العسكرية والاقتصادية التي بنوها في شمال اليمن، خاصة بعد العملية الإسرائيلية الناجحة في أغسطس 2025 (عملية “الذراع الطويلة”) التي اغتالت رئيس وزرائهم ومسؤولين كبار في صنعاء.
ومن ثم يرى «يوني بن مناحيم» أن قرار الحوثيين بالانضمام الكامل للحرب يعتمد على عدة متغيرات:
تطورات الوضع داخل إيران: إذا تلقى النظام الإيراني ضربة قاسية تهدد بقاءه، أو إذا تلقوا طلبًا مباشرًا من طهران لفتح جبهة.
الضربات ضد قيادتهم: أي عملية اغتيال جديدة لقادة حوثيين قد تستفزهم للرد.
الضغوط الداخلية:
من الفصائل المتشددة داخل الحركة.
وقد رجح «يوني بن مناحيم» أن الحوثيين، في الوقت الراهن، سوف يستمرون في موقف «الدعم غير المباشر» مع مخاطر محدودة للتدخل المباشر. وهم يحاولون الموازنة بين التزامهم تجاه إيران والحفاظ على استقرار حكمهم في اليمن. لكنها لا تستبعد أن يحذوا حذو حزب الله في النهاية ويفتحوا جبهة أوسع، خاصة عبر توسيع العمليات البحرية في البحر الأحمر أو محاولة استهداف إسرائيل بالصواريخ والمسيرات.

التعليق: قدمت هذه الورقة تحليلاً استخباراتياً مركزاً ومباشراً حول سلوك الحوثيين، وتكمل بشكل جيد التحليل الذي قرأناه سابقاً من معهد INSS حول الموضوع نفسه.
التركيز على المعضلة الحوثية:
يحدد الكاتب بدقة جوهر المأزق الذي يواجهه الحوثيون: “الرغبة في دعم إيران” مقابل “الخوف من دفع الثمن”. هذا الإطار الثنائي يساعد في فهم سبب التردد.
أهمية الردع الإسرائيلي:
تسليط الضوء على عملية “الذراع الطويلة” في أغسطس 2025 (اغتيال رئيس وزرائهم) كعامل رادع رئيسي هو تحليل واقعي. يُظهر أن الضربات السابقة كان لها تأثير ملموس على الحسابات الحوثية.
تحديد السيناريوهات المحتملة:
تقديم سيناريوهات محددة (توسيع العمليات البحرية، ضرب إسرائيل) وكيف يمكن أن تتغير المعادلة (طلب إيراني، ضربة استباقية) يمنح الورقة قيمة تنبؤية.
التوافق مع تحليلات أخرى:
تتوافق هذه الورقة إلى حد كبير مع تحليل ورقة «هايشتاين» في النتيجة الرئيسية: أن الحوثيين مترددون ولن يتدخلوا بشكل كامل في الوقت الحالي. هذا التوافق بين معهدين مختلفين يعزز مصداقية هذا الاستنتاج.

الاعتماد على مصدر واحد: يبدو التحليل معتمداً بشكل كبير على “تقديرات أمنية إسرائيلية وأمريكية” دون تقديم تفاصيل أو أدلة إضافية. هذا يجعل التحليل أقرب إلى تلخيص لموقف استخباراتي منه إلى بحث معمق.
تجاهل البعد الاقتصادي:
بالمقارنة مع ورقة INSS، تهمل هذه الورقة بشكل شبه كامل العامل الاقتصادي الداخلي الحاسم الذي أشار إليه تحليل هايشتاين: الأزمة المالية الخانقة، امتلاء صهاريج التخزين، تدمير الموانئ.
وهذا يجعل تحليل JCFA أقل عمقاً، لأنه يركز على الإرادة السياسية ويتجاهل القدرة المادية. فالحوثي قد يريد القتال، لكن إذا كانت خزينته فارغة وموانئه مدمرة، فقدرته على القتال محدودة.
الحديث عن “الانقسام الداخلي”:
الورقة تلمح إلى وجود “ضغوط داخلية من الفصائل المتشددة” دون تفصيل. من هم هذه الفصائل؟ ما هو وزنها؟ كيف يمكن لهذا الانقسام أن يتطور؟ هذا البعد يمكن تحليله بشكل أعمق.
الموقف الخليجي:
لم تناقش الورقة كيف يمكن أن يؤثر الموقف الخليجي (خاصة السعودي) على الحوثيين. هل هناك ضغوط سعودية على الحوثيين لعدم التصعيد؟ أم أن الخلاف السعودي الإيراني القديم قد يدفع الرياض لاستغلال الموقف ضد الحوثيين؟ هذا البعد الإقليمي الحيوي مفقود.
