
ما يزال نصر يوم السادس من أكتوبر المجيد عام 1973م، يفيض بالدروس الاستراتيجية التي تؤكد مصداقيتها الوقائع والشواهد المعاصرة في الشرق الأوسط، ويثبت يقينها الخطاب والسلوك السياسي لمختلف الأطراف الفاعلة في أكثر أقاليم العالم اضطرابًا وقلقًا وتوترًا.
وفي الذكرى الثانية والخمسين لهذا النصر الفريد في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي خصوصًا، المنطقة عمومًا، يجدر بنا استخلاص مزيد من العبر الملهمة – والمؤلمة أحيانًا-من أجل تجاوز الواقع الصعب الراهن، والتحوط لما هو أصعب في المستقبل والتحصُن ضده.
القوة.. (أيقونة) الحرب والسلام في الشرق الأوسط
إن أحد أهم الدروس التي يمكننا استخلاصها من نصر أكتوبر 73 وما قبله حرب الاستنزاف التي أعقبت هزيمة الخامس من يونيو عام 1967م، وما تلا هذا النصر المجيد من محادثات ومعاهدة سلام بين مصر وإسرائيل، يتمثل فيما يمكن أن نسميه (سلام الحرب في الشرق الأوسط).
ونعني بذلك، أن الخبرة التاريخية على مدار العقود الخمس الماضية تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أو الريب البتة، أن أي سلام مع إسرائيل، إنما يفرض عليها بقوة (الدولة –الخصم)، بكل ما يعنيه مفهوم القوة الصلبة والناعمة، بما في ذلك القوة العسكرية، والاستخباراتية، والسياسية، والدبلوماسية، والاقتصادية، والمجتمعية، والنفسية، وغيرها.
كما أن هذه القوة الشاملة متعددة الأبعاد، تظل هي الضامن الرئيس، إن لم يكن الوحيد، لبقاء أي سلام مع إسرائيل وديمومته على نحو يحمي الأمن الوطني لـ(الدولة-الخصم) ويصون سيادتها ويحقق مصالحها العليا.
ولقد أثبتت حرب أكتوبر 73 وما أعقبها من معاهدة سلام عام 1979م القائمة حتى لحظتنا الراهنة، هذه الخلاصة الاستراتيجية؛ فلولا هذه الحرب المُدهشة بكل معنى الكلمة، وما أفرزته من تغيير في (معادلة القوة على الأرض) بين مصر وإسرائيل، لما قبلت الأخيرة مرغمة إنهاء الحرب، ولما تلقفت مبادرة السلام المصرية عام 1977م.
وبعد 52 عاماً من النصر المجيد، تؤكد الشواهد والوقائع العملية الآنية في الشرق الأوسط، لاسيما خلال عامي 2024م و2025م، أن (السر الأعظم) وراء استمرارية السلام المصري-الإسرائيلي طوال أكثر من خمسة عقود، إنما يكمن في امتلاك القاهرة قدرة الردع الكافية لتل أبيب، التي لم تكن لتتردد للحظة في شن الحرب، لولا تيقنها بأن عواقب ذلك ستكون كارثية عليها.
ذلك أن إسرائيل متى ما شعرت بالتفوق على الخصم، ولو بشكل محدود، تهاجمه على الفور، لاستغلال الفرصة من أجل تثبيت توازن القوى المختل لصالحها، أو لتغيير التوازن القائم الذي لا يخدم حساباتها الاستراتيجية.
وفي تقديرنا المتواضع أنه ليس أدل على كون السلام المصري-الإسرائيلي هو “سلام الأنداد”، من وصف تل أبيب له بـ”السلام البارد” لأنه ليس على هواها ومبتغاها، الذي تريده “سلام إذعان”، يمكنها أن تنقضه وقت ما شاءت، وتشن الحرب بالكيفية التي تراها.. هذا هو “سلام الضعف” الذي تفرضه إسرائيل بالقوة العسكرية ابتداءً، ليكون مجرد هدنة تكتيكية تلتقط خلالها الأنفاس، لتستأنف الحرب مجدداً؛ فهو “سلام الحرب” بداية ونهاية.
وهذا النوع من “سلام الضعف” لا تتوافر ركائزه الإسرائيلية في حالة “السلام المصري”، لأن تل أبيب تدرك تمامًا أن القاهرة بيدها روادع متنوعة وليس رادعًا واحدًا فحسب.
فعلى سبيل المثال فإن الحجة التي تقول تفوق إسرائيل على مصر لامتلاكها القدرة النووية، فإنه في المقابل يكفي القول بأن القاهرة تمتلك روادع عدة للنووي الإٍسرائيلي ليس أقلها (الرادع فوق التقليدي).. ولن أزيد في ذلك.
الحرب والسرديات الإسرائيلية
يشكل مبدأ الحرب المرتكز المهيمن والحاكم لعقيدة إسرائيل العسكرية، والفكرة المركزية في العقل الجمغي الإسرائيلي، بما في ذلك النخب الرسمية وغير الرسمية، بغض النظر عن انتمائاتها الحزبية والسياسية وتوجهاتها الأيديولوجية.
ويدعم ذلك حزمة من السرديات التوراتية والتلمودية وأفكار الأباء المؤسسيين لإسرائيل من أمثال: جابوتنسكي، وبن جوريون، وإيجال ألون، وشيمون بيريز وغيرهم.
ويؤكد الخطاب السياسي والممارسات المعاصرة لإسرائيل، استمرارية (الحرب) كنهج عام في التعامل مع (الأغيار) حتى في أزمنة السلام، والتي تعتبرها النخب الإسرائيلية مجرد فترات هدنة مؤقتة، وبخاصة إذا كان هذا السلام لا يوافق المنظور الإسرائيلي للأمن والتفوق العسكري.
وربما يفسر لنا هذا الأمر حالة الهيستريا الراهنة في دوار صنع القرار والأوساط السياسية والإعلامية تل أبيب من مواصلة مصر تعزيز قدراتها الدفاعية، ومحاولة تصوير ذلك، زيفاً، على أنه خرق من جانب القاهرة لمعاهدة السلام بين الجانبين.
وواقع الأمر، فإن الخطاب السياسي والسرديات الإسرائيلية المعاصرة، تبرر لمصر ما تقوم به، بل لعل ذلك هو أقل ما يجب القيام به للحفاظ على الردع في مواجهة التربص الإسرائيلي بدول الشرق الاوسط برمته وليس فقط دول المحيط والجوار المباشر.
ويكفي للدلالة على ذلك، الإشارة إلى حديث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في غضون فترزة زمنية وجيزة للغاية، عن سرديات متطرفة من قبيل: (رؤية إسرائيل الكبرى)، و(إسرائيل.. هي إسبرطة العظمى) في المنطقة.
صفوة القول: لقد أثبت نصر أكتوبر 73 أن السلام العادل والدائم هو الذي تنشئه القوة والندية ابتداءً.. وكما أكدت، وماتزال تؤكد على نحو جلي، حالة السلام المصرية-الإسرائيلية.. فالسلام الباقي هو “سلام الأقوياء”.
