
فى 1967 أطلقت الإذاعة المصرية شعار “أم كلثوم معكم في المعركة”. ..وكان الشعار حديث إضافي عن استعداد الجميع، مؤلفين وملحنين ومطربين للمعركة، بجانب الاستعداد العسكري والسياسى…
وفى حفلها الشهري الأول من يونيو 1967. ..ألغت الإذاعة كل البرامج ..وقبل الحفل وقف جلال معوض الإعلامى الشهير وأفضل من قدم الست فى الحفلات يتحدث عن جيوشنا العربية علي الحدود وكيف هي على أعتاب النصر، وشدت الست بكلمات أغنية ” الله معك ” تحية للجيوش العربية…
أما ما جرى بعد ذلك بأسبوع واحد كان مفزعا حقا .. هزيمة لم يتوقعها أحد .
بعد النكسة قضت أم كلثوم أياما مكتئبة في بدروم فيلتها بالزمالك – بحسب تصريحات صحفية قالتها فيما بعد – ثم رأت أم كلثوم أنه لابد من تحويل الهزيمة إلي انتصار والثأر من النكسة، فدشنت بعد أيام قليلة حملتها غير المسبوقة لدعم المجهود الحربي.
بدأتها بعد أسبوعين فقط من النكسة وتحديدا يوم 20 يونيو 1967 حين حولت شيكا بمبلغ 20 ألف جنيه استرليني إلى خزانة الدولة المصرية، وكانت قد تلقته من إذاعة الكويت مقابل إذاعة بعض تسجيلاتها الغنائية.

“الست” بعدها بادرت بتكوين هيئة اسمتها “هيئة التجمع الوطني للمرأة المصرية ” خصصتها فى الأساس لإسعاف الجنود والمصابين. .. وتشكلت الهيئة من لجنتين واحدة لجمع التبرعات والمرور على المستشفيات ..والثانية للاتصال وشرح القضية الوطنية..
اجتماعات مكثفة في منزلها ولقاءات مع كل المستويات ..وبدأت التبرعات من الذهب وغيره من سيدات المجتمع وزوجات الوزراء والدبلوماسيين. ..وبدأت إقامة حفلات جمعت فيها ملايين تبرعت بها للمجهود الحربى وإعادة تسليح الجيش المصرى .
“أم كلثوم ” قررت أن يكون لها دورها فيما يحدث بالمساهمة في إعادة بناء الجيش المصري بالمعدات الحربية اللازمة، مقدمةً مردود حفلاتها وجولاتها الخارجية والداخلية لصالح وزارة الدفاع، مشترطة في الحفلات الخارجية أن يكون الأجر بالدولار والجنيه الإسترليني لأنها العملات المستعملة في التبادل التجاري والتسليح.
من أهم الحفلات التى أقامتها “الست” فى هذه الفترة ..حفلتى مسرح الأولمبيا الشهير بباريس ..والتى تعاقدت عليهما فى نهاية عام 1966 ..وظن الجميع بما فيهم مدير المسرح الأشهر فى العالم “برونو كوكاتريكس” أن الست ” ستعتذر ولن تسافر ..والمفاجأة الأكبر كانت فى عدم بيع التذاكر ..فالكل يتشكك فى حضورها للغناء ووطنها مجروح يعانى .

فى نهاية 1966 جاء ” كوكاتريكس مدير مسرح الأولمبيا ” باحثا عن موسيقى الشرق ليكمل مشروعه الكبير الذى استضاف فيه ظواهر تلك الفترة الموسيقية مثل فرقة البيتلز وإديت بياف وغيرهم .
إلتقى وزير الثقافة آنذاك ثروت عكاشة، والذي نصحه بالتعاقد مع أم كلثوم على الفور. .. “من أم كلثوم؟.. هل هى فنانة استعراضية؟” يتساءل كوكاتريكس- مدير المسرح- فيرد عليه عكاشة بثقة: «سوف تعلم مكانة أم كلثوم عندما تُغنى على مسرح الأوليمبيا»، فيقرر الفرنسى أن يلتقى بها شخصيًا، فى منزلها الكائن بالزمالك، ليقدم عرضه إليها، بأن تغنى فى حفلين، يومى 13 و15 نوفمبر عام 1967.
اعرف أكثر
د. هناء كامل تسطر: هل يهين صناع “الست” كوكب الشرق أم كلثوم؟
فى مقابلة “كوكاتريكس ” لأم كلثوم في منزلها بالزمالك بحضور الكاتب ومترجم الفرنسية الشاب الواعد آنذاك محمد سلماوي، ليكون وسيطًا بالتواصل والاتفاق… كانت أول صدمة مدير أشهر مسارح العالم .. “الست” تريد أن تحصل على أجر أعلى من أجر إديت بياف؛ نجمة فرنسا وأسطورة الغناء فى العالم كله وقتها .
فقد وافقت مشترطة أن تحصل على مبلغ يعادل 14 ألف إسترلينى، وهو رقم لم يحصل عليه فنان قبلها ،لكن ما سمعه عنها يكفى لكى يومئ برأسه بالموافقة، مقررًا أن يعوّض هذه التكلفة برفع أسعار تذاكر الحفل… تم تحديد موعد سفر أم كلثوم إلى فرنسا قبل الحفل بأربعة أيام، وطرحت التذاكر في الشباك الخاص بالمسرح، وطوال فترة إتاحتها وقبل وصول “الست” لم تباع الكثير من التذاكر.

فبعد أشهر قليلة عقب الاتفاق .. تشهد مصر نكستها، يومها كانت الصدمة الجديدة لمدير المسرح ، فكيف لمطربة أن تخرج من وطنها المطعون فى كرامته لتغنى وسط الآلاف! وكيف لجمهورها العربى أن يقبل فكرة حفلٍ ساهر فى ظل هذا الجرح الغائر! كما أنه لم يعد بإمكانه إلغاء الحفل، بعد تحمل أعباء التحضير، وتكاليف طباعة التذاكر والدعاية. …الخسارة تحاوطه من جميع الاتجاهات، والورطة كبيرة.
يجرى “كوكاتريكس “اتصاله، بالست يستفسر بحياءٍ عن موقفها بعد ما حدث، فتخبره أنها لم تغير رأيها، ماضيةً فى اتفاقها حسب المبلغ الذى طلبته ووافق عليه، ليطمئن قلبه ..لكن الصدمات تتوالى لا أحد يشترى تذاكر الحفل.
4 أيام قبل موعد الحفل المنتظر. تهبط الطائرة فى مطار باريس، وتخطو أقدام كوكب الشرق على أرض مدينة النور لتبدأ الأسطورة الخالدة التى أبهرت أوربا كلها وخصص لها الإعلام صفحات طويلة ولقاءات لا نهاية لها تحكى الأسطورة التى حدثت وكيف سيطرت الست على الجميع .
بعد وصول “الست” فكر مدير المسرح المحبط من عدم الإقبال على شراء تذاكر الحفل في أن يقدّم التلفزيون الفرنسي حواراً مع أم كلثوم يذاع بعد نشرة الأخبار مساءًا.

بعد هذا الحوار بدأ نسج خيوط الأسطورة، شهدت المبيعات ارتفاعًا قياسيًا، سارع الجمهور من ألمانيا وإنجلترا والخليج العربى إضافة للجمهور الفرنسى لشراء تذاكر حضور الحفل… نفذت التذاكر في وقت قياسي، حتى أن برونو اضطر أن يتيح مساحات معينة للجمهور الواقف بحيث يزيد سعة المسرح.
الرجل كان مبهورا بالطوابير من مئات البشر تقف أمام شباك تذاكر المسرح طالبةً شراء تذكرة، وهو حدث لم يشهده فى مسرحه من قبل، ولم يكن ليتوقعه مهما وصفوا له من هى أم كلثوم.
اعرف أكثر
عثمان علام يسطر: القوى الناعمة التى تطعم من جوع وتؤمن من جهل!
وحدثت واقعة أذهلت “كوكاتريكس” أمام شباك التذاكر، حيث جاء أحد الأثرياء العرب وطلب حجز مقعدٍ فى الصف الأول وعرض على عاملة الشباك مبلغ 5 آلاف فرانك، وبعد تأكيدها على أن الصف الأول “محجوز”، لم يجد وسيلة سوى رفع سلاحه فى وجهها،مهددا بإطلاق الرصاص على نفسه والانتحار إذا لم يحضر الحفل .. ليتدارك مدير المسرح الموقف بالانفراد بالرجل وإخباره أنه سيوفر له المكان المطلوب.
مدير المسرح تفاجأ أيضا بإقدام أكثر من 55 يهوديًا على شراء تذاكر حفل أم كلثوم، وهو أمر بالنسبة له شديد الحساسية، فى ظل ما تعانى منه مصر، لذلك أمر بتشديد الحراسة ليلة الحفل، وتعزيز الأمن داخل المسرح، ليكتشف فيما بعد أن كل هذا لم يكن له أى داع، عندما شاهدهم فى حالة اندماج وانتشاء كغيرهم من الحضور.

فى تمام الساعة التاسعة و25 دقيقة، يوم 13 نوفمبر، رفع الستار، تُطل من ورائه أم كلثوم، يشع بهاؤه نورًا فتنتفض الصالة من سكراتها، لتهيم على نفسها بكل من فيها، واقفون على أقدامهم يرفضون الجلوس و الست تقف على قدميها بينما الآهات تعلو والآذان تستمع لصوت التصفيق المتواصل…
بين 6 أو 7 دقائق متصلة لا ينتهى الهتاف والتهليل، حتى إن السيّدة توجهت لمقعدها تمهيدًا لبدء الحفلة إلا أن أحدًا لم يتوقف عن الصياح، لتضطر للوقوف ثانية، تنحنى وترفع أكف السلام على الجميع، ثم تضعها على رأسها وكأنها تأخذ من جلال جمهورها لتضيف على رأسها قامة فوق قامتها.
اعرف أكثر
بيان الثقافة: قراءات جديدة لأسرار نصر أكتوبر وسيناريوهات المواجهة القادمة تكشفها دار الكتب
دقيقتان إضافيتان والتصفيق مستمر.. تجلس مجددًا، وتشير إلى فرقتها ، لتبدأ مقدمة «أنت عمرى» وتخترق صيحات «الهتيفة» وتتداخل معها، حتى هدأت الصالة بمن فيها. .. سكنت تمامًا إلا صوت الآلات، فالصمت فى حرم الجمال جمال، وهذا جمال غير عادى، إنه وهج إمرأة فاقت فى مكانتها حدود زعماء العالم آنذاك.
رصد مدير المسرح وجود جمهور من خلفيات وديانات وقوميات متنوعة يتماهون مع صوتها بإنسجام، وكأنهم خلعوا أيديولوجياتهم على باب المسرح…راقب الشخصيات العامة والمهمة التي حضرت العرض وانصهرت وسط الجمهور وكأنها غير موجودة، والمهاجرين الهائمين بين أوطانهم ودول العالم الأول ذات الفرص الأفضل… خمس ساعات ونصف شعر الجميع بالحرية المطلقة تحت عباءة الموسيقى، باريس نائمة وهم ساهرون يُطربون، حيث كل القيود الذهنية انهارت، فلم الأسر، والدنيا لديهم؟

وفى يوم 15 نوفمبر، تغنت «الست» بـ «أمل حياتى»، ثم «الأطلال» ثم «فات الميعاد»، وفى نهاية الحفل، ظل الجمهور يهتف مطالبا إدارة المسرح بفتح الستار ليلقوا نظرتهم الأخيرة عليها، وبالفعل فتح الستار، ليقفز أحدهم على الخشبة فى لحظة خاصة ونادرة وثقتها عدسات الكاميرات، قام فيها بتقبيل قدم «الست»، لتبقى الصورة خالدة أبد الدهر… .
.تحاول الست فك قدمها من يديه، فترتبك تمامًا وتسقط على المسرح، قبل أن يتدارك الجميع الموقف بعد لحظات من الصمت بين الانسجام معها، والصدمة مما حدث. يصحب الحراس الشاب خارج المسرح، وتستدرك أم كلثوم ما حدث بغنائها للشطر الشهير من قصيدة الأطلال “هل رأى الحب سكارى، بيننا”، مبتسمة، والجمهور يضحك من ذكائها، ومن ندرة الفعل الذي شهدوه لتوهم على المسرح.
“كوكاتريس” وجد نفسه يشهد حالة من خمس ساعات ونصف تقريبًا لمغنية تستحوذ على الجمهور في كل ثانية، في سن تعدى الستين. نقل صوتها المستمعين بين حالات شعورية مختلفة، من الحرية المسلوبة، إلى الحب الذي لم يجد سكارى مثلها هي وحبيبها، ثم التندر على الحب الذي كان، كل هذا في أغنية واحدة. ..شهد مدير المسرح الفرنسي الشابات والشباب الذين قبّلوا يدها قبل أن تغني مباشرة وهي على المسرح.
حفلتا الست فى باريس باعتا أحد أعلى الحفلات إيرادات في تاريخ المسرح الباريسي، وقد خصصت لسرد وقائعه جريدة لوموند فصلاً ضمن ملفها حول أعظم الحفلات التي أقيمت في باريس…

خرجت أم كلثوم من المسرح، وأول ما قالته لرفاقها: «طيارة مصر إمتى؟»، لكنهم أخبروها بأن عليها التوجه أولاً إلى مقر مصلحة السياحة الفرنسية، لتحضر حفلا رسميا أعد خصيصًا على شرفها، حضره كبار رجال الدولة هناك.
كانت تقف بينهم كزعيمة، رأسها يوازى رؤوسهم، بل يلتفون حولها كحال المعجبين فى حضرتها، حتى اقترب منها أحدهم، وفى يده باقة زهور، رفعها عالية وصاح بصوت عالٍ قائلا: «من الليلة وصاعدًا، ستحمل هذه الزهور فى فرنسا اسم أم كلثوم»
اعرف أكثر
فؤش يحتفل باليوم الوطنى السعودى بسيرة الحب وحليمة بوند تسجل لحظاته المثيرة(صور)
وقرأ آخر برقية بعثها شارل ديجول رئيس فرنسا آنذاك، يقول فيها: «مرحبًا بك فى فرنسا.. حققتِ نجاحًا عظيمًا»، ولمن يعرفون ديجول، فإنه نادرًا ما يفعل ذلك مع مطرب، بل ربما أم كلثوم هى الوحيدة.
بعد الحفل كشفت أم كلثوم فى حوار تليفزيونى أجرته معها أيضًا الإعلامية سلوى حجازى، عن سبب سؤالها فور خروجها من حفلها الساهر عن «موعد الطائرة»، بأنها تمنت لو أن تخرج من المسرح وتتجه لمصر مباشرة، لأنها رغم ما تراه من حسن استقبال هنا تتوق إلى حِس الوطن وريحه، كانت تود العودة بسرعة حتى تمنح ما حصدته من رحلتها للمجهود الحربى، حتى إنها طلبت من فرقتها عدم شراء هدايا من هنا، وأن يوفروا أموالهم لشراء السلع من مصر لأن الدولة فى أمس الحاجة للعملة الصعبة.

لم تنته الرحلة عند هذا الحد فقط، ولم يتوقف الاحتفاء بأم كلثوم فى فرنسا طيلة أسبوع بعد حفلتها، حتى إن كبرى المجلات والصحف الفرنسية خصصت صفحات داخلها من أجل الست، من بينها جريدة «لوموند» التى قالت فى عنوانها: «عندما تغنى ملكة الفن المصرى أم كلثوم تهتز الرؤوس من شدة النشوة، كما تهتز أغصان النخيل على النيل»، وأضافت: «حققت للمسرح أكبر دخلٍ فى تاريخه الطويل».
واستكملت الصحيفة حديثها داخل المتن: «استطاعت ملكة الغناء العربى أن تسيطر على قاعة الأوليمبيا، وتضع جمهورها تحت سحرها لمدة أربع ساعات. جاذبيتها كامنة فى صوتها الملاطف القوى الحنون، النقى كحبات الكريستال، إنها لا تجذب وتسحر رواد المسرح والمستمعين، وإنما تسحر كل فرد على حدة، وتخلق وحدة واندماجا كاملا بين خشبة المسرح والصالة. ..أغانيها الشاعرية وأداؤها الفريد يثير تنهدات البعض ودموع الآخرين».
