
بعد اربعة أسابيع من القذائف التي تنهال على العمق الإيراني، ومحاولات طهران المتكررة لخلق حالة من “الردع المتوازي” عبر رشقات صاروخية استهدفت الداخل الإسرائيلي، سقطت الأقنعة وتلاشت الأوهام في سوق المصالح الدولية.
فالمشهد اليوم لا يحتاج إلى دبلوماسية، انما إلى “صدمة وعي”.. لماذا تستميت واشنطن في تحويل جسدها إلى درع يحمي إسرائيل ويساندها ويتسابق معها في ضرب اكبر عدد من الأهداف داخل ايران، بينما تمارس روسيا والصين دور “المتفرج البارد” الذي يكتفي بعدّ الجثث” وحساب الأرباح في بازار الصفقات؟
إن الإجابة تكمن في الحقيقة المرة التي تتجاهلها العواصم التي رهنت قرارها للخارج .. طهران ليست حليفاً للشرق، انما هي مجرد “مقاول وظيفي” انتهت صلاحية عقده، أو حان وقت مقايضته.
عندما تحاول إيران، عبر ردودها العسكرية المقابلة، أن تثبت للعالم أنها قادرة على فرض معادلة (العين بالعين) تجد ان هذه المحاولة تصطدم بواقع مرير .. واشنطن تدير العمليات اللحظية وتقودها جنباً لجنب مع إسرائيل. بينما تقف موسكو وبكين على “تلة المراقبة” بلا حراك فعلي!!!

فالصين خذلت طهران ببرود “التاجر” الذي يحرص على استمرار تدفق النفط الرخيص، لكنه يرفض دفع قرش واحد من أرباحه كي لايخسر علاقاته التريليونية مع الغرب.
وروسيا قد مارست خذلان المستنزِف، فهي قد تكون سعيدة برؤية “المحرقة الإيرانية” التي تستدرج أمريكا بعيداً عن أوكرانيا، لكنها لا تمد يد العون لمنع استباحة الأجواء الإيرانية!! بالنسبة لها، “النزيف الإيراني” هدية مجانية لإطالة أمد بقائها في كييف بضغط أقل.
اعرف أكثر
مفاجأة: تقديرات مخابراتية إسرائيلية تعترف بخطورة الأجواء الإيرانية بعد تطويرات بالذكاء الاصطناعي
بدلاً من الجزم بوجود صفقات “بيع” ناجزة، يخبرنا واقع السياسة الدولية أن إيران تخضع لمنطق المقايضة ضمن أولويات الكبار..
بالنسبة لروسيا، تظل أوكرانيا هي “العمق الحيوي”، وبالنسبة للصين، تظل تايوان وبحر الصين الجنوبي هما “الهدف التاريخي”.
وفي نادي القوى العظمى، تُستخدم الملفات الإقليمية كأوراق ضغط لتحسين شروط التفاوض في الملفات الوجودية كالتي ذكرت.

هذا “الانكشاف الاستراتيجي” يجعل من طهران عرضة لأن تكون ثمناً في أي تسوية كبرى تضمن للكبار مصالحهم بعيداً عن أحلام التمدد الإقليمي.
الخذلان الذي نقصده هو ليس خيانة فحسب انما قد جاء نتيجة خطيئة السلوك الإيراني، عندما أصبحت “حليفاً مشاكساً” وعبئاً على أصدقائها وجيرانها قبل اعدائها.
سياسة تصدير الأزمات عبر إدارة الميليشيات خارج حدود الدولة وخارج قواعد العلاقات الطبيعية بين الدول جعل من طهران “شريكاً غير موثوق” والذي قد يشعل حريقاً عالمياً في توقيت لا يناسب حسابات موسكو وبكين كدول عظمى لها مصالحها ومسؤولياتها في ضبط التوازن الدولي.
اعرف أكثر
غضبة إسرائيلية وفرحة مصرية بعد زيادة رسوم معبر طابا مرة ثانية خلال الحرب
كما وان عملية الابتزاز الاستراتيجي من خلال محاولات طهران في اللعب على التناقضات والتلويح بالغرب للضغط على دول الشرق، جعلت الكبار يتعاملون معها كزبون متقلّب، لا كشريك مصيري دائم، مثلما هو وضع (إسرائيل) التي تُعد جزءاً من “البنية الداخلية” للسياسة الأمريكية.

هذا اضافة إلى أن مصطلح “وحدة الساحات قد تبخّر” أمام واقع “عزلة الميدان”.. إيران التي ظنت أنها تمد نفوذها في العواصم العربية تكتشف اليوم أنها “وحيدة” تماماً ..
الروس يكتفون بالدعم اللفظي، والصين بالامتناع عن التصويت في مجلس الأمن، والدول العربية في المشرق والخليج العربي تدين اعتداءاتها الغاشمة غير المبررة والتي تؤدي إلى خسائر بشرية ومادية متزايدة.
بينما القاذفات والطائرات والتقنية الأمريكية والإسرائلية تعمل في صلب مفاعلاتها ومؤسساتها وقواعدها.
اعرف أكثر
د.فاطمة سيد أحمد تسطر: لماذا لم تزعل مصر من الخليج فى إعلان دمشق؟
هذا هو الانكشاف الاستراتيجي الكامل الذي لا تحميه الشعارات الغيبية وأيديولوجيا (الثورة) التي استهلكت فكرتها ومشروعها التوسعي.

هذا الخذلان يمثل أكبر صرخة تنبيه للدول التي ترهن أمنها للشرق أو الغرب حيث تنتهي كأوراق محروقة في صفقات الكبار وحساباتهم الاستراتيجية.. إن السيادة التي لا يحميها أهلها عبر فكر وطني وقوة ذاتية هي سيادة وهمية تتبخر عند أول صفقة بين الأقوياء.
اعرف أكثر
المعارضة الإسرائيلية تهاجم ائتلاف نتنياهو بعد العار الذي فضحه رئيس الأركان في الجيش
الفرصة الذهبية المتاحة أمام العالم العربي اليوم، تبدأ من وعي حقيقة أن القوى العظمى لا تحمي إلا “شركاء الضرورة”.
والبديل الوحيد هو بناء “الكتلة العربية الحضارية المانعة” التي تستمد قوتها من تحديد وبناء منظوماتها الفكرية الحديثة..
كي لاتكون ساحة لمقايضات الكبار، وتصبح هي المركز السيادي في معادلة المنطقة..
هل يعتبر العرب من “خذلان الحلفاء” ليصنعوا استقلالهم الحضاري بأيديهم؟
*الكاتب، د. خضير المرشدي، عميد معهد التجديد العربي بإسبانبا
