جاءنا الآن
الرئيسية » هو و هي » دعاء فؤاد تسطر: حين تهتز الثقة..كيف تكشف العلاقات المؤذية حقيقتنا النفسية؟

دعاء فؤاد تسطر: حين تهتز الثقة..كيف تكشف العلاقات المؤذية حقيقتنا النفسية؟

دعاء فؤاد

فى حلقة من برنامج معكم الذي تقدّمه الإعلامية منى الشاذلي على شاشة ON TV، لم تكن ضيفتا الحلقة بسنت أبو باشا وإلهام وجدي ترويان مجرد مواقف عاطفية عابرة، بل كانتا تفتحان نافذة صادقة على الجانب الأكثر هشاشة في النفس الإنسانية. لحظات انكسار لا ترى بالعين، لكنها تترك أثرًا عميقًا في الروح.

حديث بسنت أبو باشا عن الخيانة كشف كيف يمكن لعلاقة واحدة أن تعيد تشكيل نظرتنا للحب بالكامل. فالخيانة لا تفهم فقط كفعل، بل كزلزال يهز الشعور بالأمان.

الإنسان بطبيعته يبحث عن الطمأنينة في العلاقة، وعندما تكسر هذه القاعدة، يتحول الإحساس الداخلي إلى حالة من الحذر المستمر، وكأن القلب يتعلم كيف ينجو بدلًا من أن يحب.

هذه التجربة قد تدفع العقل إلى تعميم الألم، فيسقط تجربة واحدة على كل العلاقات القادمة، فيفقد القدرة على الثقة بالنفس والثقة بمن لا يستحقون الشك.

أما ما عبرت عنه إلهام وجدي، فيحمل بعدًا نفسيًا أكثر خفاءً، لكنه لا يقل خطورة. الشعور بأنكِ “لستِ كافية” داخل علاقة، هو أحد أخطر أشكال الإيذاء النفسي غير المباشر.

هنا لا يكون الجرح واضحًا، بل يتسلل تدريجيًا، حيث يبدأ الإنسان في مراجعة نفسه بشكل قاسٍ، ويقارن ذاته بصورة مثالية رسمها الطرف الآخر.

ومع الوقت، تتآكل الثقة بالنفس، ويصبح التقدير الذاتي مرهونًا برضا شخص قد لا يرى قيمتك الحقيقية من الأساس.

فهذه الأنواع من العلاقات تكشف جانبًا مهمًا في التكوين النفسي للإنسان، وهو الاحتياج العاطفي غير المشبع. أحيانًا لا نتمسك بالأشخاص لأنهم مناسبون لنا، بل لأننا نبحث من خلالهم عن شيء ينقصنا بداخلنا؛ قبول، اهتمام، أو شعور بالأهمية.

لذلك، قد نستمر في علاقات تؤذينا فقط لأننا نخشى مواجهة الفراغ الذي قد يتركه غيابها. وهنا تتحول العلاقة من مساحة حب إلى مساحة تعويض، ومن شراكة صحية إلى اعتماد نفسي.

كما أن بعض هذه العلاقات تقوم على ما يعرف نفسيًا بـ”التلاعب العاطفي”، حيث يُشعر أحد الطرفين الآخر بأنه دائمًا في موضع تقصير، فيسعى لإثبات ذاته بشكل مستمر.

هذا النمط يبقي الشخص في حالة استنزاف نفسي، لأنه يركض خلف رضا لا يأتي، ويبحث عن تقدير لا يمنح. ومع تكرار هذا الشعور، يفقد الإنسان اتزانه الداخلي، ويبدأ في رؤية نفسه بعيون ناقدة وقاسية.

كانتا تفتحان نافذة صادقة على الجانب الأكثر هشاشة في النفس الإنسانية. لحظات انكسار لا ترى بالعين، لكنها تترك أثرًا عميقًا في الروح

التعافي من هذه التجارب لا يعني النسيان، بل الفهم. أن يدرك الإنسان أن ما مر به كان تجربة، وليس تعريفا له. وأن الألم الذي شعر به لا يقلل من قيمته، بل يكشف عن عمق مشاعره وقدرته على الارتباط. استعادة التوازن تبدأ عندما نتوقف عن جلد الذات، ونعيد توجيه الاهتمام نحو أنفسنا، لا نحو من تسببوا في أذيتنا.

الثقة الحقيقية لا تبنى من كلمات الإعجاب، ولا من نظرات القبول، بل من علاقة الإنسان بنفسه. حين يعرف الإنسان قيمته، لن يقبل بعلاقة تهز هذه القيمة. وحين يتصالح مع ذاته، لن يبحث عن نفسه في أعين الآخرين. فالحب الصحي لا يجعلك تشك في نفسك، بل يجعلك أكثر وضوحًا واطمئنانًا.

ما بين تجربة الخيانة التي تحدثت عنها بسنت أبو باشا، والشعور بعدم الكفاية الذي عبرت عنه إلهام وجدي، تتجسد حكايات كثيرة يعيشها البعض في صمت.

لكنها تظل تذكيرًا مهمًا بأن أقسى ما قد تفعله العلاقات ليس الفراق، بل أن تجعلك تفقد نفسك وأنت بداخلها. والحقيقة الأهم أن استعادة هذه النفس ممكنة دائمًا، إذا قررنا أن نرى أنفسنا كما نستحق، لا كما رآنا الآخرون.

وفي النهاية، ربما لا نستطيع التحكم في كل من يدخل حياتنا، لكننا نستطيع أن نختار من يستحق البقاء فيها. فالنضج العاطفي لا يعني أن نتجنب الحب خوفًا من الألم، بل أن نمتلك الوعي الكافي لنميز بين علاقة تُحيينا وأخرى تستنزفنا.

وحين ندرك أن سلامنا النفسي ليس محل تفاوض، سنكتشف أن أعظم انتصار ليس في أن نحب فقط، بل في أن نحب أنفسنا أولًا، ونضع قلوبنا في المكان الذي يليق بها.

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *