الوقت ، كان نهاية حقبة الثمانينات حيث مازالت سيناء المحررة حديثا من دنس الاحتلال الصهيوني بعد معارك استعادة الكرامة في أكتوبر ثم اتفاقية كامب دافيد..
هناك علي أرضها كانت زياراتي المتكررة في وقت ليس قصيرا. كنت الصحفي الوحيد الذي يأتي لإجراء تحقيقات صحفية عن الأرض والناس. وهو ما كون لي شبكة علاقات واسعة لمن يقيم علي أرضها.
كانت طباع أهالينا في سيناء القبلية والبدوية وأحوالهم التي تختلف عن أشقائهم في وادي النيل تمثل مادة ملهمة وجاذبة للكتابة

طرأت لدى فكرة مصدرها حكايات الذكريات والبطولات أيام الاحتلال و المقاومة الشعبية التي كنت أسمعها في سهراتي وقعداتي مع الأهل والأصدقاء من أبناء سيناء ..
كانت الفكرة تقوم علي رصد رموز فرق المقاومة الشعبية والحديث معهم عن تفاصيل ما قاموا به من بطولات أيام حرب الاستنزاف والتي ساعدت كثيرا في التمهيد لحرب أكتوبر.
حدث بالفعل وتقابلت بمعرفة أصدقائي من أبناء سيناء مع العديد منهم في منطقة الماسورة برفح والكونتيللا والقسيمة ونخل والحسنة سيناء.

عندما شرحت لهم غرضي من لقاءاتهم وعدوني بتحديد مواعيد قريبة للتواصل واللقاء .. صدقتهم بالفعل.. ولكني فوجئت بأن من تواصل معي هو مدير مكتب المخابرات الحربية في العريش الذي أرسل لي لمقابلته ، حيث كنت أقيم في أحد فنادق المدينة..
كان ذلك بعد وصولي العريش بعدة أيام. ..غلبتني الدهشة حول سر الاستدعاء الغريب.. بصراحة كنت مرتبكا وقلقا ولكن مقابلة العقيد (م) بمكتبه بمقر فرع المخابرات الحربية ،التي بدأت بإبتسامة ودودة وإصرار علي تناول الإفطار معه أزاحت عني كل المشاعر السلبية في التو والحال.. ليبادرني بعد ذلك متسائلا بنفس ابتسامته ضاحكا ..مالك ومال عملنا ياعم حسين؟..
بعد مناقشة بسيطة شرح خلالها تعارض ما أنوي القيام به مع الصالح العام وكذلك طبيعة نظام العمل المخابراتي. وعندما سألت: أية خطورة من وراء عملي عن حكايات قديمة وها قد أصبحنا مع إسرائيل جيران تربطنا علاقات دبلوماسية ونعيش مرحلة سلام؟
.. فجأة تغيرت ملامح ضابط المخابرات ولهجته لتتسم بالحدة ربما تصل لحالة الغضب وهو يقول ما تتحدث عنه أمر يتعلق بالسياسة، أما الواقع معنا يختلف فإسرائيل بمعتقداتها وأفكارها ونواياها وأسلوب غدرهم هي العدو الأول والأبدي. فلا أمان لهم.
ونحن ندرك جيدا أنهم يعتبرون هذه المرحلة ما هى إلا هدنة مؤقتة يعدون ويجهزون لمراحل جديدة من الغدر ولن يتراجعوا عن معتقداتهم العدوانية وهي التوسع واحتلال أراضينا. والدليل حتي تقتنع بنظريتي، هل قاموا بعد اتفاقية كامب دافيد بإزالة شعار دولتهم من واجهة الكنيست و الذى يقول “من النيل للفرات”.
قال العقيد (م): السياسة تقوم بدورها ولكن عيوننا ستظل ساهرة مستيقظة تراقب أي محاولات غدر وخيانة.. إنها طبعهم عبر التاريخ.

نسيت أن أخبركم أن ضابط المخابرات كان حريصا أن يؤكد لي أن معاملته الطيبة لى جاءت بناء علي تلك التقارير التي تم جمعها عني في كل مكان أرتبط به مثل المنزل والجريدة بالقاهرة ذاكرا لي المعلومات الشخصية الدقيقية جدا جدا كدليل لصحة كلامه، قائلا: “تأكدنا من حسن نواياك ووطنيتك، فأردنا التواصل معك مباشرة.”
اقتنعت برواية الضابط وعدلت عن الفكرة ولكن استمرت زيارتي الميدانية التي خدمتني سمعتي وعلاقاتي في رصد كثير مما يحدث حولى، ويؤكد صحة كلام الضابط (م) عندما قال لي بالحرف: “المواجهة العسكرية متوقفة ولكن حربهم علي مصر مستمرة بضراوة ” وهو ما لمسته من تلك التقارير وقتها عن تصرفاتهم الحقيرة ضد مصر بواسطة عملائها بالمنطقة خاصة قرب خط الحدود..
إسرائيل تستغلهم في القيام بأدوار للإضرار بمصر. فهم يتولون ترتيب عمليات تهريب أخطر أنواع المخدرات التي تحول متعاطيها إلي أشباه آدميين بعد أن تدمر عقولهم وكذلك تهريب مواد تحسين الزراعة مثل التقاوي والمخصبات المعالجة إشعاعيا ، والتي تقضي علي خصوبة التربة الزراعية وتدمرها تماما بمرور الوقت….
الجميل حقا هو أنني وجدت أسلوب تفكير ضابط المخابرات ما هو إلا نسخة من أفكار كل من التقيتهم من أبطالنا في كل موقع يحمي ويدافع عن حدودنا بسيناء.
…..
