جاءنا الآن
الرئيسية » جاءنا الآن » د.حسام بداروى يسطر: العلمانية في الحالة المصرية والإيرانية

د.حسام بداروى يسطر: العلمانية في الحالة المصرية والإيرانية

د. حسام البدراوى

قبل ان أدخل في صلب المقال ، أود توضيح معني كلمة العلمانية…
قال لي شاب: ، ما هي أكثر التعريفات تعرضاً لسوء الفهم يا دكتور؟
قلت: أذكر ثلاثة ، التنوير والليبرالية والعلمانية.
قال : أيمكنك التوضيح!

قلت: قبل التوضيح ، أذكركم أن المسمي ليس هو أهم عنصر لبيان الحقيقة ، فلو أطلقت علي الوردة أي إسم آخر ستظل تشم رائحتها وتري جمالها كما هي…

فعليكم البحث عن المعني الذي يعنيه الإسم في عقولكم لتجعلوا للكلمات حيثية، فأنا مثلاً أري واقع المجتمع المصري عَلمانياً، ليبرالياً، متنوراً حسب تعريفات الكلمات في عقلي ووجداني.

ولكن تيار الاسلام السياسي استطاع أن يجعل للكلمات معاني غير أصل فلسفتها فأصبح الليبرالي و التنويري و العلماني و المدني كلها تعني” لمن لا يبحث” هو الملحد و الكافر والسافر مع أن الحقيقة عكس ذلك وتعالوا نبحث في المعاني…

د.حسام بداروى يسطر: العلمانية في الحالة المصرية والإيرانية

يعبر التنوير عن حركة فكرية، وثقافية، وفلسفية، ظهرت في القرنين الثامن والتاسع عشر في أوروبا وقبلها في الأندلس، تدافع عن العقلانية والمنطق ، وتنادي بإحكام قوة العقل ، باعتباره مصدراً أساسياً للمعرفة، والمثل العليا كالحرية والرقي والتسامح ، وفصل مؤسسات الدين عن الإدارة السياسية للدولة.

العَلمانية أو الدنيوية أو العِلمانية هي المنهج الفكري الذ يرى أن التفاعل البشري مع الحياة يجب أن يقومَ على أساس دنيوي ويحكمه دستور يتم الإتفاق عليه بين الناس وليس علي تفسيرات رجال الدين للكتب السماوية.

العلمانية تفصل الدين عن شئون حكم الدولة ولكنها لا ترفض الدين ولا تمنعه.
https://www.facebook.com/share/v/1Pcw8fZEXw/?mibextid=wwXIfr

اعرف أكثر

محمد شاهين يسطر لـ”إندكس” من القدس المحتلة: كيف نفتح الأقصي؟

وصف العلمانية من قبل خصومها بأنها إلحاداً، فهو إعطاء تعريف لها لم يتواجد في فلسفة وجودها الا عند خصوم فكرة فصل الدين عن السياسة وربط ذلك بالإلحاد لحشد المواطنين ضد فكرة سياسية بتحويلها لفكرة دينية تلاعباً بالتعريف ، للتأثير علي عواطف البشر تجاه توجهات سياسية علي أساس أنها توجهات تنفي وجود الله .

د.حسام بداروى يسطر: العلمانية في الحالة المصرية والإيرانية

ولا يختلف الأمر ، كان ذلك مسيحية أو إسلام أو يهودية لأن متطرفي الأديان عبر التاريخ أقرب لبعض في المنهج ، فأغلبهم ساعين للسلطة والتحكم في الآخرين بحجة أنهم علي صواب مطلق والكل علي خطأ، وفي العمل السياسي هناك تعدد في الآراء وفي الوسائل وتتغير الأحوال بتغير الظروف .

المفارقة هي حين تتدين الدولة ويُعلمن المجتمع… وحين يتدين المجتمع وتبقى الدولة مدنية.

اعرف أكثر

إسلام كمال يسطر: رسائل عبد الونيس المفصلية انقلاب استراتيجي داخلى يفجر جماعة الإخوان الإرهابية

قبل أشهر كتب لي مواطن إيراني انطباعًا أثار فضولي بعد زيارة استمرت أكثر من شهر في مصر. قال ببساطة لافتة:
الشعب الإيراني أكثر علمانية من المصريين، لكن الحكومة المصرية أكثر علمانية من الحكومة الإيرانية.

هذه العبارة القصيرة تكشف مفارقة تستحق التأمل:
إيران دولة دينية يحكمها رجال الدين، لكن المجتمع فيها يميل تدريجيًا إلى العلمانية، بينما مصر دولة مدنية في نظامها السياسي، لكن المجتمع يبدو أكثر تدينًا في مظاهره اليومية.

د.حسام بداروى يسطر: العلمانية في الحالة المصرية والإيرانية

لكن هذه الملاحظة، رغم صدقها الظاهري، تفتح بابًا أعمق للسؤال:
هل ما نراه في مصر هو تدين حقيقي أم مظاهر تدين اجتماعي
التدين في المجال العام؟

أي زائر لمصر يلاحظ بسرعة حضور الدين في الحياة اليومية.
المساجد في كل حي، وصوت الأذان يتردد من أكثر من اتجاه ويعلو في الميكروفونات واحيانا بلا اعتبار للخصوصيات المكانية والزمانية.

اعرف أكثر

كل الأسرار وحتى رسائل الندم: التفاصيل الكاملة لاعترافات قيادات حركة حمس الإرهابية

سائق التاكسي قد يشغل القرآن في سيارته، والتاجر قد يفرش سجادة الصلاة أمام متجره عند وقت الصلاة.

وفي يوم الجمعة قد تتحول بعض الشوارع إلى صفوف للمصلين.

هذا الحضور الكثيف للدين في المجال العام يعطي انطباعًا بأن المجتمع المصري مجتمع شديد التدين.
لكن السؤال الحقيقي ليس: كم يظهر الدين؟
بل: كيف يعيش الناس قيمه؟

د.حسام بداروى يسطر: العلمانية في الحالة المصرية والإيرانية

التدين بالقهر الاجتماعي:

في مصر لا يفرض القانون الحجاب، لكن المجتمع أحيانًا يفرضه بطريقة غير معلنة.

كثير من الفتيات يرتدين الحجاب ليس نتيجة اقتناع روحي كامل، بل خوفًا من نظرة المجتمع أو من تعليقات الأسرة والبيئة المحيطة.

هنا يتحول الحجاب من اختيار روحي إلى استجابة لضغط اجتماعي.
وهذا ما يفسر ظاهرة تبدو متناقضة للوهلة الأولى:

نساء يرتدين الحجاب، لكن بملابس شديدة الضيق أو بزينة ومكياج مبالغ فيه.
المظهر هنا يؤدي وظيفة اجتماعية أكثر مما يعبر عن موقف روحي.
وكأن الرسالة الضمنية تقول:
نلتزم بالشكل الذي يرضي المجتمع، لكننا نحتفظ بحريتنا الشخصية داخل هذا الشكل.

د.حسام بداروى يسطر: العلمانية في الحالة المصرية والإيرانية

الصلاة والسلوك اليومي:
المفارقة لا تقف عند الملبس.
قد ترى شخصًا يوقف عمله للصلاة، ثم يعود بعدها إلى الكذب أو الغش أو الرشوة.

وقد تسمع القرآن يتلى في مكان العمل، بينما تُدار في المكان نفسه معاملات لا تخلو من الفساد.

هنا يظهر الانفصال بين الشعيرة والقيمة.
فالشعائر الدينية حاضرة بقوة، لكن القيم التي يفترض أن تنتج عنها — مثل الصدق والأمانة والعدل — لا تظهر بالقدر نفسه.

هذه الظاهرة ليست خاصة بمصر وحدها، لكنها تبدو واضحة في المجتمعات التي يصبح فيها التدين جزءًا من الهوية الاجتماعية أكثر منه تجربة أخلاقية عميقة.

اعرف أكثر

دعاء فؤاد تسطر: بين القسوة والعقوق..ما الذي يدمر علاقة الأم والأبناء؟

التدين في المظهر… والعلمانية في الحياة:
مفارقة أخرى تظهر في حياة المصريين اليومية.
في الاحتفالات والمناسبات الاجتماعية، تختلط مظاهر التدين الظاهري مع أنماط حياة أقرب إلى العلمانية الشعبية.

حفلات الزفاف الصاخبة، والموسيقى، والرقص، والاختلاط الاجتماعي الواسع… كلها جزء طبيعي من الحياة.
بل إن بعض المجتمعات الأكثر محافظة في المظهر قد تكون في حياتها اليومية أكثر انفتاحًا مما يبدو.

د.حسام بداروى يسطر: العلمانية في الحالة المصرية والإيرانية

وهكذا نجد مزيجًا غريبًا:
ملابس توحي بالتدين
حياة اجتماعية تحمل الكثير من الحرية الثقافية

هذا التعايش بين النقيضين هو جزء من شخصية المجتمع المصري، الذي يجيد التوفيق بين أشياء تبدو متعارضة.
إيران: حين يتحول الدين إلى نظام سياسي
في المقابل، تبدو المفارقة الإيرانية مختلفة.
فالدين في إيران ليس مجرد حضور اجتماعي، بل هو أساس النظام السياسي.

الحجاب مفروض بالقانون، والسلطة الدينية جزء من بنية الحكم.
لكن التجربة التاريخية تقول إن تسييس الدين قد يؤدي أحيانًا إلى نتيجة معاكسة لما يُراد.

طالع مقال الكاتب 

د.حسام بداروى يسطر: الاستقلال الاستراتيجي ليس انتقائيًا

فعندما يتحول الدين إلى سلطة رسمية، قد يبدأ بعض الناس في التعامل معه كقيد سياسي لا كاختيار روحي.
وهكذا تظهر في المجتمع الإيراني مظاهر علمانية في الحياة اليومية رغم الطبيعة الدينية للنظام.

بين الشكل والجوهر:
ما تكشفه المقارنة بين مصر وإيران ليس مجرد اختلاف بين مجتمعين، بل سؤال أعمق عن طبيعة التدين نفسه.
فالدين يمكن أن يظهر بثلاث صور مختلفة:
دين السلطة
حين يصبح جزءًا من النظام السياسي.
دين المجتمع
حين يتحول إلى هوية ثقافية عامة.
دين الضمير
حين يعيش داخل الإنسان كقيمة أخلاقية وروحية.
المشكلة تبدأ عندما يطغى الشكل على الجوهر، أو تتحول الشعيرة إلى رمز اجتماعي منفصل عن معناها الأخلاقي.

د.حسام بداروى يسطر: العلمانية في الحالة المصرية والإيرانية

التدين الحقيقي:
التدين الحقيقي لا يُقاس بعدد المساجد ولا بعدد الحجاب،ولا بعدد المرات التي يسمع فيها القرآن في الشوارع.
بل يُقاس بشيء أبسط وأصعب في الوقت نفسه:
مدى حضور القيم التي جاء الدين ليؤكدها: الصدق، والعدل، والرحمة، والنزاهة.

حين تصبح هذه القيم جزءًا من الحياة اليومية، يصبح التدين حقيقة لا مظهرًا.

اعرف أكثر

هل كان نابليون بونابرت صهيونيا ولماذا لقبه يهود العثمانيين بالمسيح وما الشبه بتطورات هذه الأيام؟

إن المقارنة بين مصر وإيران تذكّرنا بحقيقة إنسانية قديمة:
الدين حين يعيش في الضمير يزدهر،
لكن حين يتحول إلى مظهر اجتماعي أو سلطة سياسية قد يفقد الكثير من روحه.

والتحدي الحقيقي لأي مجتمع ليس أن يبدو متدينًا، بل أن يكون أكثر صدقًا وعدلًا وإنسانية.

 

*المفكر الليبرالى والأمين العام للحوار الوطنى

 

*المقالات مساحات خاصة لكتابها، وليس بالتبعية أن تتوافق مع السياسة التحريرية للموقع*

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *