جاءنا الآن
الرئيسية » جاءنا الآن » البوابة لم تغلق من اليوم..بل من هذه اللحظة

البوابة لم تغلق من اليوم..بل من هذه اللحظة

محمد لطفي

محمد لطفي

توقفت الكلمات، وودعت جريدة “البوابة” قراءها، وحلّ الحزن مكان حروفها.

تلك الجريدة التي أنفقت فيها أجمل سنوات من زهرة شبابي، تركتُها طوعًا قبل أعوام، بعد موقف مهنيّ كان بداية النهاية التي رأيتها قادمة حتمًا.

كان الموقف بسيطًا في ظاهره، لكنّه كان عَرضا لمرض خطير. كنتُ قد بدأتُ حملة صحفية تتناول بعض الممارسات في هيئة قصور الثقافة، وقدَّمتُ صفحة كاملة مرت بكل مراحل التجهيز. وفجأة، مُنعت من النشر. وذلك في عهد الدكتور أحمد عواض، بعدما منع الموظفين من التحدث للإعلام، وكانت الصديقة العزيزة الدكتورة إيناس عبد الدايم مقتنعة به وتدافع عنه باستماتة قبل أن تطيح به بعدها بفترة قصيرة..

سألتُ رئيسة التحرير عن سبب منع الصفحة، فقالت لي وهي تضحك: “أصلّ الوزيرة قابلتني في شرم واشتكت لي إنك ‘ماسك الراجل ده سلخ’… وأنا مش عايزة أزعلها بصراحة.”

قلتُ: “تمام”. وأنا لما أقول “تمام” يبقى الموضوع وراه حاجة مش تمام.

البوابة لم تغلق من اليوم..بل من هذه اللحظة

كانت هذه الضحكة، وهذا المنع، إعلانًا صريحًا عن انحيازٍ لا مكان فيه للصحافة المهنية. أدركتُ وقتها أن السطر الأخير للبوابة بدأ يُكتب. لقد تحوَّل الهمّ الأوحد للإدارة الجديدة إلى ضبط مواعيد حضور وانصراف الصحفيين، بينما أُهمِل جوهر العمل: المساحة الحرَّة، والنزاهة، والرصانة.

لم يكن تقليص الرواتب -رغم قسوته- هو الأكثر إيلامًا. بل كان الألم الحقيقي في تقليص مساحة الحرية، وفي الانحياز للمصادر ومجاملتهم الذي حرم الجريدة من روحها.

البوابة لم تغلق من اليوم..بل من هذه اللحظة

أكتب هذا الكلام لا لأنال من شخصٍ ما بل لنستلهم الدرس الذي يجب أن نستوعبه دائمًا؛ وهو أن المؤسسة الإعلامية حين تفقد استقلاليتها، وتضحِّي بمهنيّتها على مذبح العلاقات، وتستبدل الهمّ المهني بهمّ الإدارة البيروقراطية، فإنها توقع بنفسها قرار إغلاقها.
وأن الكلمة الحرة، والموقف المهني الشجاع، هما آخر ما تموت به الصحيفة. فإذا ماتا قبل توقف الطباعة، تكون الجريدة قد انتهت بالفعل.

والآن.. من اللحظة الأولى لاعتصام الزملاء الصحفيين بالبوابة، أعلنت تضامني مع جميع مطالبهم المشروعة، ولحين حصولهم على حقوقهم..

اعرف أكثر 

إندكس داعمة للزملاء: رد “عبد الرحيم” على نقابة الصحفيين يؤكد انسداد الحلول في أزمة “البوابة”

ولكن ذلك لا يمنع تسجيل احترامي وإعجابي الشديد بالكاتب الكبير عبدالرحيم علي، صاحب الموهبة الفذة في فنون الكتابة والصحافة والمناورة وألاعيب السياسية ودهاليزها، رغم أخطائه الإدارية القاتلة التي أودت بالجريدة إلى مصيرها المحتوم.. وأكاد أثق أنه رغم إصدار العدد الأخير من جريدة البوابة إلا أنه لن يترك بنته الرابعة توارى الثرى، على يد بنته الثانية.

الرحمة للبوابة، ولعصر صحفيّ كان يحمل شيئا من الكبرياء.

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *